وجدتها ركعت أمام الباب تلتقط الظرف.
كان الفجر لم يطرق بعد، والممر يحمل رائحة البلل القادمة من الشارع وشيئاً من دخان لا تعرف مصدره. على الظرف يدٌ لا تعرفها: «إلى أم سعيد». أم سعيد رحلت منذ سنتين، أخذت ما خفّ وتركت الكرسي الخشبي في المطبخ وبعض الأظافير في الجدار. لكن الخط على الظرف كان مرتجفاً، كأن من كتبه كان يمسك القلم بيد باردة أو متعبة.
دخلت هبة المطبخ ووضعت الغلاية على النار وأمسكت الظرف بكلتا يديها. كان مفتوحاً — أو فُتح مرةً ثم أُعيد لصقه باستعجال. لم تقرأ بنية القراءة، لكن الكلمات خرجت بنفسها:
«يا أمي، أعرف أنك زعلانة. أعرف أني ما رددت على المكالمات. الأيام كانت ثقيلة بطريقة لا أحسن شرحها. لكني كنت أفكر فيك كل يوم. أفكر في يدك على رأسي وأنا صغيرة، وفي رائحة الخبز في الصباح، وفي الشاي الذي كنت تتركينه على الطاولة قبل أن أصحو.»
صوّت الماء في الغلاية وقطع الصمت قطعاً.
سكبت هبة كوبها وجلست على الكرسي الخشبي. ذلك الكرسي الذي أتقنت أم سعيد تركه كأنها لا تريده، لكنه في الصباحات الباكرة كان يبدو كأنه يحتفظ بثقل جالسيه القدامى. قرأت بقية الرسالة ببطء وكأنها تشرب شيئاً ساخناً. لم تكن طويلة. في السطر الأخير: «سأكون عندك يوم الجمعة. إذا لم تفتحي الباب، سأجلس أمامه حتى تفتحيه.»
اليوم جمعة.
نظرت هبة إلى الكوب الفارغ في يدها، إلى البخار الذي تلاشى. وضعت الكوب على طاولة الممر، بجانب الظرف. ثم عادت إلى الكرسي، وجلست، وتركت الباب غير مقفل.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #سرد #رسالة