في نقطة الانعطاف التي تحدث منتصف «حلوة» تقريباً — حين ينكسر الإيقاع المنتظم وتعود ياسمين إلى الجملة الأولى بصوت مختلف الثقل عمّا كان قبل دقيقتين — أدركتُ أنني أسمع هذا الألبوم للمرة الأولى فعلاً.
الألبوم هو «يا ناس» لياسمين حمدان، صدر عام ٢٠١٣. سمعتُه مرةً منذ سنوات في ظروف مشتّتة لم تُنصفه، ثم أعدتُه الليلة مرّتين متتاليتين بالكامل، بسمّاعات مغلقة على أذنيّ في مطبخٍ شبه مُعتم بعد منتصف الليل. هذا الشرط تحديداً — الظلام الناعم والسكون الجزئي وغياب أيّ وجه آخر في الغرفة — غيّر ما وصلني منه. الغرفة التي يتخيّلها الألبوم لنفسه ليست قاعة عرض ولا محطة إذاعة، وقد احتجتُ إلى غرفة شبيهة لأسمعه كما يريد.
التوزيع في معظم المقاطع يعمل بمنطق تقشّف مقصود: إيقاعٌ ثابت لا يتزيّن، غيتارٌ يضع نفسه في الزاوية لا في الواجهة، وصوت ياسمين يشغل المساحة الوسطى دون أن يطالب بالهيمنة على ما حولها. يصلني هذا الجزء كأنه اختيار معماري أكثر منه قرار إنتاجي — كأن هناك أسقفاً واطئة عُمِدَ إليها في التصميم لا اضطراراً. المساحة الصوتية بين الآلات ليست فارغة؛ هي محسوبة، وفيها تحديداً يعمل الصوت بأفضل طريقة ممكنة.
ما نجح فيه العمل هو تحريك المادة الموروثة دون إقناعك بأن ثمة جدّة مصطنعة تبرّر الاقتراب منها من جديد. الأغاني تحتفظ بأثقالها الأصلية، والتوزيع لا يعتذر عنها ولا يشرحها للمستمع غير المألوف. غير أن في المقاطع الأطول تحديداً — يبدو لي أن الألبوم يتردّد بين التلاشي والاكتمال فيبقى معلّقاً في مكانٍ لا يُعرَّف بسهولة. ليس خللاً بالضرورة، لكنه يترك المستمع في حالة تعليق غير محسومة، وليس كلّ مستمع يرتاح لذلك.
ما لا يحاول «يا ناس» فعله هو التوجّه نحو سوق بعينه أو ادّعاء الانتماء إلى موجة موسيقية راهنة. هذا اختيار، لا قصور. لكنه يعني أن من يريده يحتاج أن يأتي إليه بنيّة وهدوء كافيين، لا أن يصادفه عرضاً في خلفية صوتية. وأنا، في مطبخٍ مُعتم في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، جئتُ إليه أخيراً على النحو الصحيح.
#نقد_موسيقي #ألبوم #ياسمين_حمدان #موسيقى_عربية