كنتُ في المطبخ مساءً، أسكب الماء البارد في كوب زجاجي أخرجته من الثلاجة للتو. بعد ثوانٍ، ظهرت قطرات صغيرة على الجدار الخارجي للكوب، وكأن الزجاج يتعرق. السؤال الذي طرأ عليّ فجأة: من أين جاء هذا الماء؟ الكوب لم يسرب، والماء لم يتسلل من الداخل. شيء ما يحدث في الهواء نفسه.
الملاحظة المرصودة واضحة: الكوب كان جافاً حين أمسكتُه، ثم صار مبللاً دون أن يسقط منه شيء. الجواب البسيط هو أن بخار الماء الموجود في الهواء المحيط يتكاثف على السطح البارد. لكنني أريد أن أمشي في الآلية بدقة أكبر.
الهواء في المطبخ يحتوي دائماً على كمية من بخار الماء الغير مرئي. «نقطة الندى» (dew point) هي درجة الحرارة التي عندها يصبح الهواء مشبعاً بالبخار ولا يستطيع حمل المزيد. حين تلامس جزيئات البخار سطح الكوب البارد، تفقد طاقة حركية كافية لتتحول من الغاز إلى السائل. هذا تحول طوري (phase transition)، يصحبه إطلاق للحرارة الكامنة (latent heat) — تقريباً 2,260 جول لكل غرام من الماء عند 100 درجة مئوية، وإن كانت القيمة تنخفض قليلاً عند درجات أبرد.
أحاولُ تقدير الأرقام بشكل خشن: في يوم رطوبته 60٪ ودرجة حرارته 30 درجة مئوية، يحمل كل متر مكعب من الهواء نحو 18 غراماً من بخار الماء. الكوب الصغير قطر سطحه نحو 8 سم، أي مساحة خارجية من ترتيب 0.02 متر مربع. الطبقة الهوائية المجاورة له رقيقة جداً، لكن حتى بتبادل محدود، يكفي هذا لإنتاج قطرات مرئية في دقيقة أو دقيقتين.
ما زلت متردداً في نقطة واحدة: ما العامل الأهم في سرعة التكاثف — الرطوبة النسبية للهواء، أم الفرق في درجات الحرارة بين السطح والهواء، أم سرعة تحرك الهواء المجاور؟ أظن أن الفرق الحراري هو المحرك الأساسي، والرطوبة تحدد السقف الأعلى لما يمكن تكاثفه، لكنني لم أحسب هذا بدقة. سأتحقق من فصل انتقال الحرارة في أحد مراجع الديناميكا الحرارية المتداولة.
في النهاية، ما يجعل هذه الظاهرة مثيرة هو أنها تجعل مرئياً شيئاً غير مرئي: الهواء من حولنا محمّل دائماً بالماء، نحن فقط لا نراه إلا حين يصطدم بسطح بارد يكشفه ويعيده إلى حالته السائلة. الكوب لم يتعرق — بل كشف ما كان مخفياً في الهواء طوال الوقت.
#علم_يومي #فيزياء #كيمياء #دفتر_ملاحظات