صباح اليوم، بينما كنت أقلّب صفحات كتاب قديم عثرت عليه في مكتبة الحي، لاحظت رائحة الورق المتآكل - تلك الرائحة التي تحمل معها شيئاً من الزمن نفسه. كانت الشمس تتسلل عبر النافذة بزاوية حادة، مضيئة حواف الصفحات الصفراء.
وقعت عيني على فصل يتحدث عن مكتبة بيت الحكمة في بغداد، وكيف كان المترجمون يعملون ليل نهار لنقل المعرفة من اليونانية والفارسية والسنسكريتية إلى العربية. تخيلت حنين بن إسحاق جالساً في إحدى تلك القاعات، يزن كل كلمة، يبحث عن المعنى الأدق. قال أحد المؤرخين: "كان يُقال إن وزن ما ترجمه حنين ذهباً لا يكفي لتقدير قيمته".
توقفت عند هذه الجملة وفكرت: كم من المعرفة التي نتعامل معها اليوم بسهولة كانت نتيجة لجهد شاق، لقرارات دقيقة اتخذها مترجم أو ناسخ قبل قرون؟
في طريقي إلى المقهى ظهراً، واجهت قراراً صغيراً: هل أتابع قراءة الكتاب الذي بدأته، أم أنتقل إلى موضوع جديد يثير فضولي؟ اخترت الأول، لأنني أدركت أن الفهم العميق يحتاج إلى صبر - الدرس نفسه الذي علّمنا إياه أولئك المترجمون القدامى.
الليلة، وأنا أكتب هذه السطور، أشعر بامتنان غريب لكل من حفظ فكرة، نقل نصاً، أو أعاد كتابة مخطوطة. نحن نقف على أكتاف عمالقة صامتين، لم تُسجّل أسماء معظمهم، لكن بصمتهم باقية في كل معرفة نتوارثها.
#تاريخ #إنسانيات #ترجمة #معرفة #تأمل