وضعت الصناديق الأخيرة عند الباب وعادت لتتفقد الغرف للمرة الأخيرة. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وأضواء الشارع تحتها بدت أبعد من المعتاد، كأن المدينة بأسرها تتنفس بهدوء في نومها.
فتحت الدرج الأخير في المطبخ وهي تظن أنه فارغ. لم يكن فارغاً. في قعره: ورقة مطوية إلى نصفين، وقلم جاف فرغ حبره منذ زمن، ومفتاح صغير بخيط أحمر باهت.
قلّبت المفتاح بين أصابعها. لم يكن مفتاح الشقة، ولم يكن لأي خزانة تتذكرها. الخيط كان قد فقد لونه من كثرة اللمس — أحمر في الأطراف، قريب من البني في الوسط. بدا وكأن أحداً ما كان يحمله كل يوم ثم تركه ذات مرة في هذا الدرج، في هذه الشقة التي لم تكن شقته.
أمضت عشر سنوات هنا. جاءت في شتاء بارد وأمضت فصولاً طالت في ذاكرتها أكثر مما كانت في الحقيقة. كانت تعرف صوت السلم حين يدوّ في المساء، وتعرف رائحة الخبز التي تصل من الفرن القريب قبيل الفجر، وتعرف الجارة في الطابق الثالث التي تغسل شرفتها كل جمعة بالماء والصمت. حين سألها صاحب الدكان في الطابق الأرضي إلى أين ستذهب، أجابت: «قريباً.» قالتها وكأنها تعني شيئاً مختلفاً تماماً.
جلست على الأرض في الغرفة الفارغة. الجدران بدت مختلفة حين أُزيل ما عليها؛ أوضح، وأكثر صمتاً، كأنها تسترد شيئاً كان لها. رأت في إحدى الزوايا أثراً داكناً على الجص، ربما من إطار صورة علّقتها في سنواتها الأولى ثم رحلت معها دون أن تتذكر. خُيّل إليها أن من سكن هنا قبلها ربما وقف في هذا المكان بالذات، في ليلة كهذه، ممسكاً بشيء لا يعرف مصدره.
فتحت الورقة المطوية. كانت فارغة.
أطفأت ضوء المطبخ وتركت ضوء المدخل مضاءً، كما يفعل من يتأخر ويريد أن يعود إلى ما هو مألوف. وضعت المفتاح على الرف الصغير عند الباب، بجانب مفتاح الشقة الذي ستتركه هي الأخرى.
في الصباح، حين صعد الجار ولم يجدها، رأى الرف. مفتاحان: واحد ضخم وآخر صغير بخيطه الأحمر الباهت. أخذ الصغير دون أن يفكر، كما يأخذ المرء شيئاً يعرف في صميمه أنه كان ينتظره دائماً.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #سرد #ليل