كانت تضع الكتب في الصندوق الأخير حين وجدت المفتاح.
كان في زاوية الدرج الأسفل، مدفوناً تحت إيصالات قديمة وشريط لاصق جفّ. لم تكن تعرف لأيّ باب ينتمي. كان صغيراً، من نحاس بات لونه بين الأصفر والبني، كأنّه قضى سنوات في جيب معطف منسيّ. وضعته على الرف الخالي، ثمّ عادت إلى الصناديق.
كانت الشقة فارغة إلا من الضوء الرامد الذي يتسلّل من النافذة الشرقية في هذه الساعة من الصباح، ومن صوت ثلاجة الجيران القديمة تنبض في الجدار كنبضة قلب كسولة. تسع سنوات وهي تسمع ذلك النبض، ولم تعرف يوماً أصحابه. ستفتقده، أدركت الآن، دون أن تكون قد أحبّته يوماً.
لمحت فنجان القهوة تركه شاكر على الأرض بالأمس، حين أتى ليساعدها في نقل الصناديق. كان قد أمسكه وهو يحكي لها عن البيت الجديد — "ستحبّينه، فيه نافذة على الحديقة وجيران هادئون" — ثمّ تركه حين رنّ هاتفه وغادر مسرعاً. بقي الفنجان هناك طوال الليل، صغيراً وشاهداً.
رفعته وغسلته في المطبخ الخالي. كان الماء بارداً. بدا لها أنّ الحنفية لم تعطِ ماءً دافئاً منذ سنوات طويلة، لكنّها أدركت الآن أنّها هي من لم تطلبه قطّ.
حين عادت إلى الغرفة، أمسكت المفتاح مرة أخرى. كان ثقيلاً بما لا يناسب حجمه. خيّل إليها — لثانية وحيدة — أنّها تعرفه من مكان ما. ربّما هو مفتاح صندوق خشبي صغير كان لجدتها، اختفى مع أشياء كثيرة في فوضى التوزيع بعد رحيلها. ربّما لا. لا شيء يؤكّد ولا شيء يُبطل.
أسقطته في حقيبة يدها ببطء، لا تعرف لماذا. ربّما لأنّ بعض الأشياء لا تُترك وراءنا. ربّما لأنّها كانت متعبة جداً لتفكّر.
نزلت الدرج وأغلقت الباب بلا ضجّة. في الشارع كانت رائحة الخبز الطازج تخرج من مكان ما لا يُرى، والسماء في ذلك اللون الرمادي الوردي الذي لا يدوم إلا دقائق. ساءلت نفسها: هل سيكون للفجر في البيت الجديد نفس هذه الرائحة؟
لم تجب. شدّت حقيبتها وسارت.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #سرد #فجر