3 entries
اليوم فتحتُ صندوقًا لم يُفهرَس بعد، فيه حزمة وثائق مربوطة بخيط كتّان متقصّف. وجدتُ في أسفلها سجلًّا تجاريًّا من أواخر القرن التاسع عشر، يخصّ بيّاعًا في سوق صغيرة لا أستطيع تحديد موقعها بثقة — الاسم المكتوب على الغلاف «سوق الضحى»، وهذا الاسم لا يرد في الخرائط التي أعرفها، على الأرجح اسم محلّي لمكان يحمل اليوم اسمًا آخر، لكنّ هذا تخمين.
ما لفت انتباهي ليس أرقام البيع، بل التعليق المكتوب في الهامش بيد ثانية، خطّها أصغر وأسرع: «هذا السعر غلط، كانت القبضة بنصف ذلك». لا أعرف من كتبها، ولا متى، ولا إن كانت احتجاجًا أو تصحيحًا أو مجرّد ملاحظة عابرة. اليد الثانية تبقى مجهولة بقدر ما يكشفه السجلّ.
«القبضة» هنا وحدة وزن. في سجلّات أخرى من المنطقة ذاتها والحقبة نفسها، تشير إلى ما يعادل تقريبًا أربعة أرطال — لكنّ هذا الرقم يتفاوت، وأنا لا أستطيع الجزم. أكتب في دفتري: «وحدة غير موحّدة، تحتاج مقارنة».
أكلتُ غدائي في الفناء كالعادة، والجوّ بدأ يخفّ بعد حرارة الأسبوع. فكّرتُ في البيّاع الذي مرّت في دفتره يد لم تتّفق معه. ربّما كانا يعرفان بعضهما. ربّما لم يتحدّثا قط. لا أستطيع أن أعرف.
عدتُ بعد الغداء إلى تنظيف حواف الوثائق بفرشاة ناعمة. هناك طبقة من الغبار تمنعك أحيانًا من رؤية ما تحتها، وطبقة أخرى تحمي ما تحتها. القرار بينهما ليس دائمًا واضحًا.
#أرشيف #تاريخ_اجتماعي #مخطوطات #حياة_يومية
اليوم وصلت إلى يدي حُزمة صغيرة من الوثائق لم يُفهرسها أحد بعد — سبع أوراق مربوطة بخيط قطني اصفرّ من الزمن، محفوظة في علبة كرتونية كُتب عليها بخطٍّ متأخر: «متفرقات - تجارة - مجهول المصدر». فتحتُها ببطء كما يقتضي العمل. هذا النوع من الورق يكسر إذا عجلتَ.
معظم الصفحات تسجيلات بيع عادية: قطعة قماش، كمية حبوب، ثمن بالغروش. الأرقام صغيرة. يصعب تخيّل أن صفقات بهذا الحجم استدعت كاتباً ووثيقة ومكاناً للحفظ — لكن هكذا كانت الأمور، على ما يبدو. في الصفحة الخامسة ظهر اسم امرأة — «زُهرة بنت إبراهيم» — بوصفها طرفاً فاعلاً في معاملة، لا مجرد إشارة عابرة في حاشية. باعت، على الأرجح، قطعة أرض أو حصة فيها؛ الصياغة غامضة لأن الجزء الأيمن من الورقة تآكل من الرطوبة. التاريخ المسجّل لا يطابق تسلسل الوثائق الأخرى: إما أخطأ الكاتب في السنة، أو أن هذه الورقة انتمت أصلاً إلى حُزمة مختلفة وزُجّت هنا بالخطأ في وقت لاحق.
ما هو معروف: الاسم كاملاً، وحضورها كطرف لا كموضوع. ما هو مجهول: ما الذي باعته بالضبط، ولمن، وبكم. ما هو مُستنتج — وبتحفظ — أنها أتمّت المعاملة لأن الوثيقة جاءت في حُزمة المؤرشَفات لا في حُزمة «المعلّق».
لاحظتُ أن خط الكاتب يرتعش قليلاً في هذه الصفحة تحديداً. ربما تعب، ربما برد، ربما شيء لا يكشفه السجل.
خرجتُ لتناول الغداء في الفناء الخلفي. الهواء خفيف اليوم، أول يوم يشعر فيه المرء أن الصيف قرر المغادرة فعلاً. جلستُ مع دفتري وكتبتُ اسمها — زُهرة بنت إبراهيم — لأرى كيف يبدو على ورق حديث. يبدو عادياً. وهذا، بطريقة ما، صحيح.
قبل نهاية الدوام عُدتُ إلى الوثيقة مرة أخرى. لم يُعطِ النظر الثاني شيئاً أغفله الأول. أعدتُها إلى علبتها وكتبتُ على البطاقة الداخلية: «زهرة بنت إبراهيم — معاملة تجارية — تاريخ غير مؤكد — يستدعي المراجعة».
الوثيقة لا تُجيب على سؤال ما إن كانت راضية. ولم يكن ذلك وظيفتها.
#أرشيف #تاريخ_اجتماعي #مخطوطات #حياة_يومية
اليوم الأول من أكتوبر. الهواء في الفناء بدأ يتغيّر، شيء خفيف في الرطوبة يُشعر بأن الصيف يتراجع أخيراً. كنتُ أحمل قهوتي وأفكّر في لا شيء بالذات حين جاءني السجلّ على العربة الصغيرة مع باقي دفعة الصباح.
سجلّ تجاري يعود — على الأرجح — إلى نهاية العقد الأول من القرن العشرين. الغلاف من الجلد الرخيص، والتجليد يتفكّك من الزاوية اليسرى العليا. السجلّ خاصّ بتاجر بقالة في المدينة القديمة، اسمه مدوَّن في الصفحة الأولى فحسب: «حساب فليح». لا كنية، لا عنوان، لا ختم تجاري.
ما يستوقفني ليس الحسابات نفسها، بل خطّ ثانٍ في الهامش — أرفع من خطّ فليح، أكثر حذراً، يمتلك استقامة مختلفة — يُصحَّح به الجمع بين حين وآخر، أو يُضاف هامش صغير فُوِّت على الحساب الرئيسي. على الأرجح امرأة من المنزل، لكن هذا تخمين لا يسنده غير الأسلوب. لا اسم، لا توقيع، لا إشارة من أي نوع. مجرّد أرقام مُعاد حسابها بأناة لا تستعجل المديح.
في إحدى الصفحات المؤرَّخة في ربيع 1916، قيد بخطّ فليح: «زيت بثلاثة وعشرين قرشاً - نقص الكميّة». الكميّة المقصودة غير محدَّدة، والسبب غير مذكور. لكن في الهامش، بذلك الخطّ الرفيع الآخر، كلمة واحدة مضغوطة: «قُطِع». لا أستطيع أن أقرِّر إن كان هذا تعليقاً على التجارة، أم على شيء أوسع لا يُقال مباشرة في دفتر حسابات. ما هو معروف من مصادر أخرى أن تلك السنة كانت من أشدّ سنوات الشُّحّ في المنطقة. ما هو مجهول هو ما آلت إليه هذه الأسرة تحديداً، وما إذا كانت المرأة صاحبة الخطّ الرفيع قد واصلت حساباتها في دفتر آخر لا نعرفه.
أكلتُ غدائي في الفناء الخلفي. تمر وخبز ولبنة. فكّرتُ في أن السجلّ نفسه يُثبت أن علبة دبس الرمّان بيعت بخمسة قروش في سنة 1913 — على الأرجح قبل ارتفاع أسعار الحرب. فارق السعر بين تلك السنة و1916 يُقال بالأرقام أوضح من أي وصف نثري.
السجلّ مقرَّر إرساله للترميم قبل نهاية الأسبوع. طُلب منّي ألّا أُكمل قراءته قبل أن يعود. وضعتُ قطعة ورق صغيرة عند صفحة الهامش الرفيع، وكتبتُ عليها بالرصاص: «يد ثانية — للمتابعة».
#أرشيف #حياة_يومية #تاريخ_اجتماعي #مخطوطات