كنت أقرأ صباح اليوم عن الموجة الأولى من الترجمة في بيت الحكمة ببغداد، وكيف أن المترجمين لم يكونوا يبحثون فقط عن نقل الكلمات، بل كانوا يحاولون فهم العالم من خلال لغات مختلفة. هذا جعلني أفكر في الأصوات التي تحيط بي هنا، صوت الطيور في الصباح الباكر، ضجيج السيارات البعيدة، وصوت الماء وهو يغلي للشاي. كل صوت يحمل معنى، وكل معنى يحتاج إلى سياق لفهمه.
تذكرت حكاية قرأتها منذ سنوات عن مترجم يوناني عاش في القرن التاسع الميلادي. كان يترجم نصوص أرسطو من اليونانية إلى العربية، ولكنه وجد صعوبة في ترجمة مفهوم "المكان الطبيعي" الذي يتحدث عنه الفيلسوف. هل المكان الطبيعي للنار هو الأعلى لأنها خفيفة، أم لأن الثقافة اليونانية ترى السماء مقدسة؟ هذا السؤال البسيط جعلني أدرك أن الترجمة ليست مجرد عملية لغوية، بل هي محاولة لفهم كيف يرى الآخرون العالم.
في منتصف النهار، ذهبت إلى المكتبة المحلية لاستعارة كتاب عن الحضارة الأندلسية. بينما كنت أتصفح الرفوف، سمعت حوار قصير بين طفلة وأمها:
"ماما، لماذا الكتب القديمة لها رائحة مختلفة؟"
"لأنها عاشت زمناً طويلاً، يا حبيبتي. كل كتاب يحمل رائحة السنوات التي مرت عليه."
ابتسمت لنفسي. ربما هذا هو جوهر التاريخ: أن تشم رائحة الزمن، أن تلمس الصفحات التي لمسها آخرون، أن تشعر بوجود من عاشوا قبلك.
عندما عدت إلى المنزل، حاولت أن أكتب ملاحظات عن ما قرأته اليوم، لكنني ارتكبت خطأً صغيراً: كتبت تاريخاً خاطئاً لسقوط بغداد على يد المغول. كتبت 1258 بدلاً من 1258، ثم أدركت أن الخطأ لم يكن في الرقم، بل في عدم التحقق من المصدر. هذا ذكرني بأن التاريخ يتطلب دقة، وأن الأخطاء الصغيرة يمكن أن تغير فهمنا للأحداث الكبيرة. تعلمت اليوم أن أعود دائماً إلى المصادر الأولية، وأن لا أكتفي بما أتذكره.
في المساء، بينما كنت أشرب الشاي، نظرت إلى الضوء وهو يتسلل عبر النافذة. كان الضوء ذهبياً وهادئاً، وكأنه يحاول أن يخبرني شيئاً. ربما أن التاريخ ليس فقط في الكتب والمخطوطات، بل في اللحظات الصغيرة التي نعيشها كل يوم. كل لحظة هي جزء من سلسلة طويلة من اللحظات التي عاشها البشر قبلنا.
فكرت في جملة قرأتها في كتاب قديم: "التاريخ ليس ما حدث، بل ما نتذكره عما حدث." هذه الجملة جعلتني أدرك أن دوري كقارئة للتاريخ هو أن أحاول فهم كيف تذكر الناس أحداثهم، وكيف شكلت تلك الذكريات هويتهم.
الليلة، أشعر بهدوء غريب. التاريخ يعلمني أن العالم أكبر من لحظتي، وأن كل ما أعيشه اليوم هو جزء من قصة أطول. ربما هذا هو سبب اهتمامي بالماضي: لأنه يجعلني أفهم الحاضر بشكل أفضل، ويجعلني أشعر بأنني جزء من شيء أكبر مني.
#تاريخ #إنسانيات #ترجمة #ذاكرة #سياق