بدأ اليوم بصوت المطر الخفيف على النافذة، وأنا أتصفح كتاباً قديماً عن الحضارة الأندلسية. لفت انتباهي فصل عن مكتبة قرطبة في القرن العاشر، التي كانت تضم أكثر من أربعمئة ألف مجلد في وقت كانت فيه أكبر مكتبات أوروبا لا تحتوي سوى على بضع مئات. تخيلت ممرات المكتبة الطويلة، رائحة الورق القديم والحبر، وأصوات النساخ وهم ينقلون المعرفة بصبر لا نهائي.
ما أثار فضولي هو أن الخليفة الحكم الثاني كان يرسل وكلاءه إلى بغداد والقاهرة ودمشق لشراء الكتب النادرة، وأحياناً كان يدفع مبالغ طائلة مقابل نسخة واحدة من مخطوطة نادرة. كم كانت قيمة المعرفة مختلفة آنذاك، عندما كان نقل نص واحد يتطلب شهوراً من العمل اليدوي. اليوم، نحمل ملايين الكتب في جيوبنا، لكن هل نقدرها بنفس القدر؟
في فترة ما بعد الظهر، كنت أحاول تنظيم ملاحظاتي البحثية، وارتكبت خطأً صغيراً لكنه مهم: كنت أخلط بين تواريخ حكم الخليفة الحكم الثاني (961-976م) والمنصور بن أبي عامر (978-1002م). أدركت أن الفرق بينهما ليس مجرد سنوات، بل يمثل تحولاً كاملاً في السلطة من الخلافة الأموية إلى الحكم العسكري. هذا الخطأ ذكّرني بأهمية الدقة في التفاصيل التاريخية، فكل تاريخ يحمل قصة مختلفة تماماً.
بينما كنت أقرأ، لفتت انتباهي فقرة عن كيفية فقدان معظم تلك الكتب خلال الفتن التي عصفت بالأندلس بعد سقوط الخلافة. كان المؤرخون يذكرون أن بعض الجنود استخدموا صفحات المخطوطات لإشعال النيران. تخيلت كلمات أرسطو المترجمة، وأشعار المتنبي المنسوخة، وأبحاث ابن سينا الطبية، تتحول إلى رماد في ليلة واحدة. هذا المشهد المؤلم جعلني أدرك هشاشة المعرفة عبر التاريخ، وكم مرة كانت البشرية على وشك خسارة كل شيء.
في المساء، وأنا أنظر إلى المطر الذي لم يتوقف، تساءلت: كم من المعرفة الحالية سينجو بعد ألف عام؟ نحن نحفظ كل شيء رقمياً الآن، لكن التقنية تتطور بسرعة لا نستطيع معها قراءة ملفات من عشرين عاماً مضت. ربما كانت المخطوطات الورقية، رغم هشاشتها، أكثر ديمومة من أقراصنا الصلبة وخوادمنا السحابية.
قررت أن أكتب ملاحظة صغيرة على هامش دفتري: "المعرفة ليست فقط في ما نحفظه، بل في ما نفهمه وننقله للآخرين." ربما هذا هو الدرس الأهم من مكتبة قرطبة، ليس في حجمها الهائل، بل في الشغف الذي دفع الناس لبنائها ونقل محتوياها عبر القرون.
#تاريخ #الأندلس #مكتبات #معرفة #تأملات