قبل أن تُشعل النور، وجدته — ظرفاً أبيض على العتبة، نصف مطويٍّ كأنّ من وضعه استعجل أو تردّد في اللحظة الأخيرة.
رفعته أمّ راشد بأصابع لا تزال تحمل رائحة القهوة، وأمسكت به تحت ضوء الشقّة الباردة. اسمٌ على الظرف لا تعرفه، لكنّ العنوان عنوانها هي تماماً: الشقة الثالثة، البناء ذو الباب الأزرق قرب الفرن القديم.
جلست على كرسي المطبخ والظرف بين يديها. الثلاجة تهمهم خلفها بصوت تعوّدت عليه حتى صار جزءاً من الصمت. في الشارع بدأ بائع الخبز يصيح بنبرة مبحوحة لم تتخلّص بعد من النوم، وفاحت من النافذة رائحة ذلك الخبز الأوّل مع شيء من الندى.
تذكّرت أنّ قبلها في هذه الشقة سكنت امرأة تُدعى ليلى. حكت عنها الجارة أمّ فؤاد ذات مرة، قالت إنها غادرت في الشتاء وتركت خلفها أثراً واحداً: كوباً من الفخار الأخضر في خزانة المطبخ. كان الكوب لا يزال هناك حين تسكّنت أمّ راشد، غريباً بين صحونها البيضاء. استخدمته أسبوعاً، ثم وضعته على الرفّ الأعلى، لأنه بدا لها وكأنه لا يريد أن يُستخدم، وكأن له شأناً آخر.
الآن تمسك ظرف ليلى. على الغلاف خطٌّ مرتجف قليلاً — خطّ شخص يكتب بيد كبيرة في السنّ، أو بيد تحمل أكثر مما اعتادت.
فكّرت أن تفتحه. فكّرت أن ترسله إلى مكتب البريد. لكنها لم تفعل لا هذا ولا ذاك.
وضعته بجانب الكوب الأخضر على الرفّ الأعلى، ونهضت لتُكمل يومها كما تُكمل كلّ يوم: ببطء وبشيء واحد في المرة.
في المساء، حين عاد الضوء الذهبي من الشارع وسقط عبر الستارة على الرفّ، بدا الظرف والكوب كأنهما يعرفان بعضهما منذ وقت طويل، وكأنّ الشقة لم تكن يوماً إلا مكاناً يجمع ما نسيه الآخرون.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #سرد #رسالة