دخلت القاعة والضوء يتسرب من النوافذ العالية بزاوية حادة، يقطع الظلام إلى شرائح رفيعة تسقط على الجدران البيضاء. كان المعرض صغيراً، ست لوحات فقط، لكن كل واحدة تطلب منك أن تقف أمامها دقائق طويلة. اللوحة الأولى كانت بالأزرق الداكن والرمادي، ضربات فرشاة سميكة تكاد تخرج من السطح. اقتربت كثيراً، ربما أكثر مما يجب، حتى نبهني الحارس بلطف. لكن في تلك اللحظة القريبة رأيت شيئاً لم أكن لأراه من بعيد: طبقات الطلاء المتراكمة، كل طبقة تحكي محاولة، تصحيح، قرار.
جلست على المقعد الخشبي في منتصف القاعة وحاولت أن أفهم لماذا اختار الفنان هذا التكوين بالذات. لماذا الأزرق هنا والرمادي هناك؟ لماذا ترك هذه المساحة فارغة بينما ملأ الأخرى بالتفاصيل؟ ثم تذكرت شيئاً قرأته مرة: الفراغ ليس غياباً، بل مساحة للتنفس. ربما هذا ما أراده.
في الزاوية البعيدة، كانت هناك لوحة صغيرة بالأبيض والأصفر الباهت. بدت بسيطة للوهلة الأولى، لكن عندما وقفت أمامها لاحظت كيف تتغير الألوان مع حركة رأسي. الضوء ينكسر بطريقة مختلفة، والأصفر يصبح ذهبياً ثم يعود باهتاً. سمعت امرأة خلفي تقول لصديقتها: "هذه لا تقول شيئاً". لكني بقيت واقفة، أحرك رأسي قليلاً يميناً ويساراً، أتابع اللعبة الصامتة بين الضوء والسطح.
خرجت من المعرض وأنا أفكر في الطبقات، في القرارات الصغيرة التي تتراكم لتصنع شيئاً كاملاً. وفي الفراغات التي تركها الفنان، والتي لم تكن فراغاً حقيقياً، بل دعوة لي كي أملأها بنظري، بتأملي، بحضوري.
#فن #معرض #تأمل #ضوء #جمال