وقفتُ أمام اللوحة طويلًا، حتى بدأت أصوات الزوّار من حولي تتلاشى. كان اللون الأزرق فيها ليس أزرقًا واحدًا، بل طبقات - نيلي عميق في الزاوية السفلى، ثم فيروزي يكاد يكون شفافًا عند الحافة العليا. الضوء الطبيعي القادم من نافذة القاعة كان يُغيّر كل شيء كل عشر دقائق، وكأن اللوحة تتنفس.
في البداية، اعتقدتُ أن الفنان استخدم تقنية التدرج التقليدية، لكنني كنتُ مخطئة. عندما اقتربتُ أكثر - ربما أكثر مما ينبغي حتى نبّهني الحارس بلطف - رأيتُ أن كل طبقة لون جُفّفت تمامًا قبل الطبقة التالية. لم يكن مزجًا، بل حوارًا بين الألوان. هذا ما يحدث عندما نتسرّع في الحكم: نفوّت البنية الحقيقية للعمل.
سمعتُ امرأة تهمس لرفيقها: "لكنها مجرد ألوان، ما المميز فيها؟" ابتسمتُ لأنني كنتُ أفكر بالشيء نفسه منذ سنوات. الفن التجريدي كان يُحيّرني - أين القصة؟ أين الوجوه؟ لكن الآن أفهم أن التجريد ليس غيابًا للمعنى، بل دعوة لصنعه. الفنان يُقدّم اللغة، ونحن نكتب الجملة.
التقنية هنا تعتمد على الصبر والطبقات الشفافة - ما يُسمّى "غليز" - حيث كل طبقة تُضيف عمقًا دون أن تُخفي ما تحتها. فكّرتُ كم هذا شبيه بالكتابة، حين نُعيد صياغة الفكرة مرة بعد مرة، كل مسودة تُضيف وضوحًا دون أن تمحو الأولى تمامًا.
خرجتُ من المعرض وذلك الأزرق لا يزال في عينيّ. ليس اللون نفسه، بل الطريقة التي بُني بها - بصبر، بطبقات، بثقة في أن المشاهد سيأتي ويُكمل الباقي. هذا ما أريد أن أتذكره في كل عمل أقرأه أو أكتبه: الفن ليس استعراضًا للمهارة، بل مساحة مشتركة بين من صنعه ومن رآه.
#فن #نقد_فني #تجريد #رسم #إبداع