جلست هذا الصباح أمام لوحة صغيرة في المعرض المحلي، لوحة لم ألحظها في زيارتي الأولى. كان الضوء يتسلل من النافذة الجانبية ويضرب سطحها بزاوية مائلة، فتحولت طبقات الطلاء إلى تضاريس صغيرة من الظلال والنور. لم يكن الموضوع مهماً بقدر ما كانت الطريقة التي تكلمت بها الألوان مع بعضها.
وقفت طويلاً أحاول أن أفهم لماذا استخدم الفنان اللون الأزرق البارد في زاوية اللوحة السفلية، بينما الدفء ينبعث من المركز. ظننت في البداية أنها مجرد موازنة بصرية، لكن عندما تراجعت خطوتين إلى الوراء، أدركت أن الأزرق لم يكن يوازن بل يسحب النظر، يجبرك على العودة إليه مراراً. كان خطأي أنني بحثت عن التناغم، بينما الفنان كان يريد القلق البصري.
سمعت سيدة بجانبي تهمس لصديقتها: "لا أفهم هذا النوع من الفن". لم أتدخل، لكنني تمنيت لو أخبرتها أن عدم الفهم الفوري ليس فشلاً، بل دعوة للبقاء أطول أمام العمل. الفن الجيد لا يسلم نفسه بسهولة.
بعد المعرض، توقفت عند مقهى قريب وحاولت أن أرسم ما رأيته من الذاكرة. خرج الرسم ركيكاً، لكنه علمني شيئاً مهماً: أن النظر وحده لا يكفي، يجب أن تمرر ما رأيته عبر يديك لتفهمه حقاً. الخط الذي بدا بسيطاً على القماش، كان قراراً معقداً عندما حاولت إعادة إنتاجه.
ما بقي معي طوال اليوم ليس اللوحة نفسها، بل السؤال الذي زرعته في رأسي: متى يصبح القلق البصري جمالاً، ومتى يكون مجرد ضوضاء؟
#فن #نقد_فني #رسم #تأمل #معرض