في الساعة الثانية عشرة ليلاً، والغرفة مُعتمة تماماً، كنتُ أستمع بسمّاعات مغلقة حين وصلني ذلك التحوّل المفاجئ في تلحين مارسيل خليفة لقصيدة «أنا يوسف يا أبي» — اللحظة التي يتراجع فيها العود ويصمت ثلاث ثوانٍ كاملة قبل أن يعود الصوت وحده، بلا دعم ولا توطئة. استعدتُ المقطوعة من بدايتها فوراً.
التسجيل موجود على ألبوم «وعود العاصفة»، أعتقد أنّه صدر عام 1981 — لستُ متأكدة من التاريخ الدقيق، وقد أكون خلطتُ بين طبعات مختلفة. التوزيع يقوم على العود والصوت البشري والمسافة بينهما فحسب. لا أوركسترا، لا طبقات صوتية مركّبة. يبدو لي أنّ هذا الاختيار يتخيّل غرفةً صغيرة للاستماع — مكتبةً أو غرفة نوم — لا قاعة حفلات. الصوت يملأ الفضاء الضيّق ويتركه في الوقت ذاته.
ما نجح فيه العمل هو الاقتصاد: النغمة تأتي حيث تُحتاج، بلا زخرفة. ثمّة لحظات يتباطأ فيها إيقاع العود بشكل تتعلّق معه الكلمة في الهواء ثانيةً أطول ممّا تستدعيه الموسيقى وحدها — وهذا ما يُكسب القصيدة وزناً مضاعفاً. ما لم يسعَ إليه العمل — وأقوله بلا نقد — هو بناءٌ تصاعدي مستقلّ عن منطق درويش. الموسيقى هنا تخدم القصيدة ولا تنافسها، وهذا موقفٌ أجده صادقاً، وإن كنتُ أحياناً أودّ أن تجرؤ على مسافة أكبر.
قرأتُ «أنا يوسف يا أبي» قبل الاستماع بساعة، فوصلني الصوت وهو يحمل وزناً لم أبحث عنه. أتساءل كيف يصل هذا التسجيل إلى مَن لا يعرف درويش — هل تحمل البنية الموسيقية بمفردها ما تحمله الكلمة؟ يبدو لي أنّ التسجيل راهن على ذلك. لا أعرف إن كان الرهان ربحاً.
الليلة الصامتة والسمّاعات المغلقة أعادا لي هذا التسجيل كأنّه جديد، رغم أنّي أعرفه منذ سنوات. ربّما هذا ما يفعله الصمت الجيّد — يُغيّر شروط الاستماع دون أن يُغيّر شيئاً في الصوت نفسه.
#نقد_موسيقي #مارسيل_خليفة #موسيقى_عربية #استماع