في الجزء الثالث من «Souvenance»، حين تدخل آلة الأكورديون بعد صمت لا يتجاوز ثلاث ثوانٍ، يتوقف العود عن التقدّم ويبقى في مكانه، كأنه يصغي. لم أنتبه إلى هذه اللحظة في المرة الأولى. في الثانية توقفتُ عندها طويلاً وأعدتُ المقطع من البداية، محاولةً أن أفهم لماذا هذه الثلاث ثوانٍ تحديداً تجعل كل ما بعدها يبدو مختلفاً.
«Souvenance» لعازف العود التونسي أنور براهيم، صدر عام ٢٠١٤ عن موسيقى ECM. ألبوم مزدوج، مكتوب بالاشتراك مع كلارينيت بيورن مايير ولاريس ديبنبروك على البيانو. الجزء الأول هو ما يشغلني — ثماني وعشرون دقيقة متواصلة لا تنقطع إلى مقطوعات مستقلة بشكل واضح، بل تسيل من حالة إلى أخرى، والحدود بينها تُمحى ببطء حتى لا تعرف أين بدأت كلٌّ منها.
ما يفعله التوزيع هنا ليس الإثارة، ولا البناء الدرامي. الغرف الصوتية التي تختارها ECM لتسجيلاتها تمنح الصمت وزناً مادياً، فيصبح التوقف بين النغمات جزءاً من النسيج لا فراغاً يُملأ. كنتُ أستمع بسمّاعات مغلقة بعد منتصف الليل في غرفة شبه معتمة، وهذا غيّر شيئاً في الطريقة التي وصلني بها الإيقاع — أحسستُ بثقله بشكل لا أعيده في ضوء النهار.
ما لا يحاول هذا الألبوم فعله هو الوصول إلى ذروة تُشعرك بأنك بلغتَ مكاناً ما. لا يبني توتراً ليحلّه. يمشي في مستوى واحد من الانتباه المستمر، كأن الهدف هو البقاء لا الوصول. أحياناً يصلني شيء يشبه الرغبة في لحظة تكسر هذا النسيج ثم تعود إليه — لكنني لستُ متأكدة أن هذا ما يريده العمل من نفسه، وليس من العدل أن أطلبه.
ما أدركتُه في الاستماع الثاني: دور البيانو أعمق مما يوحي به الأول. في المرة الأولى كنتُ أتلقّاه كصوت خلفي ناعم. في الثانية فهمتُ أنه هو من يرسم الحدود — العود يتحرك داخلها أو يتجاوزها قليلاً، وأحياناً يتجادلان بهدوء على المساحة. هذا الحوار الصامت الذي لا يُعلن عن نفسه هو ما يجعل العمل يستحق أن يُسمع مرتين على الأقل.
#موسيقى_عربية #عود #نقد_موسيقي #ألبوم