في المقطع الذي يسبق الخاتمة مباشرةً — حين تخفّ الآلات فجأةً وتبقى الصوت وحده معلّقاً في الهواء كخيط رفيع — أدركتُ أنني أمسكتُ أنفاسي منذ دقيقة كاملة. لم يكن ذلك مشهداً درامياً مقصوداً. كان اختياراً في التوزيع: إزاحة كل شيء إلا الصوت، ثم إعادة الإيقاع بعد عدة ثوانٍ كأنه لم يغادر.
«يا ناس» لياسمين حمدان — صدر عام ٢٠١٣، وإن كنتُ لستُ متأكدة من الشهر بالضبط — ليس ألبوم صوت فقط، بل ألبوم مساحة. الإنتاج، الذي شاركت فيه أسماء من المشهد الإلكتروني الفرنسي على ما أعرف، يختار الصمت بعناية مثلما يختار الصوت. الإيقاعات بسيطة ومتأخرة قليلاً عن موضعها المتوقَّع، كأنها تتردد لحظةً قبل أن تقع. لا شيء يُسرع، لا شيء يُثبت نفسه بقوة زائدة.
سمعتُه مرتين هذا المساء، بسماعات مغلقة في غرفتي قبيل غروب الشمس الصيفية الطويل. في الاستماع الأول انشغلتُ بالكلمات — العربية المحكية اللبنانية المتوسطة بين الفصيح والعامي — وبالإحالات على الموروث الغنائي. في الثاني تركتُ الكلمات وأصغيتُ إلى الطبقات: صوت حمدان يُسجَّل من قريب جداً، تشعر بحجم الغرفة التي سُجِّل فيها — غرفة صغيرة متعمَّدة، لا استوديو فخم يبتلع كل شيء في صوت منتفخ.
ما يحاول الألبوم فعله هو ابتكار لهجة صوتية تجمع بين تقاليد الطرب القديم والمزاج الإلكتروني الأوروبي دون أن يذوب أحدهما في الآخر. ما نجح فيه هو هذا التوتر بالذات: تبقى المسافة بين العالَمين مرئية ومقصودة، ولا يُدَّعى أن الجمع سلس. ما لم يصله بالكامل — في تقديري — هو الاتساق على مدار الألبوم. بعض المقاطع تبدو أكثر تجريبية من أن تُجزي الاستماع المتكرر، بينما مقاطع أخرى تكسب في كل مرة شيئاً جديداً.
يصلني أحياناً قلق من أن هذا النوع من المشاريع يُقرأ كـ«استشراق مُعكَس» — تقديم الموروث العربي بصورة تُسهّل هضمه لأذن أوروبية. لا أريد أن أُسقط هذا القلق على العمل بشكل آلي، لكنه يظل قائماً في الزاوية أثناء الاستماع. يبدو لي أن الصدق الحقيقي في الألبوم هو أنه لا يدّعي حل هذا التوتر، بل يتركه على حاله.
#موسيقى_عربية #نقد_فني #ألبوم #ياسمين_حمدان