خرجتُ الصباح على نيّة واحدة: أمشي خطّ الحافلة رقم أحد عشر من محطته الشمالية إلى محطته الجنوبية. قرأتُ ذات يوم أن المسافة بين الطرفين ثمانية كيلومترات تقريباً، وأن الخط يمر بثلاثة أحياء مختلفة الطبع. على الورق، بدا الأمر معقولاً جداً.
وصلتُ إلى نقطة الانطلاق في الطرف الشمالي حيث الأرصفة أعرض والبنايات أحدث. بدأتُ أمشي جنوباً والخريطة على شاشة الهاتف تبدو كخيط مستقيم. بعد ربع ساعة، أدركتُ أنني في "شارع الاستقلال الثاني" لا "الأول". الفرق بينهما، كما اكتشفتُ بعد عشرين دقيقة إضافية، هو حيّ بأكمله. لا بأس، على ما أظن.
في السوق القديم، توقفتُ أمام باب خشبي ضيّق يؤدي إلى درج يصعد إلى لا أعلم أين. ما لفتَ نظري لم يكن الباب نفسه، بل المسمار الصدئ المغروس في الجدار على يمينه، كأن شخصاً ما علّق عليه شيئاً منذ عقود ثم رحل ونسي أن يعود. ربما هذا ما يبدو عليه الأمر، لستُ واثقاً.
جلستُ لأشرب قهوتي في كشك صغير عند منعطف يطلّ على الدرج الطويل المؤدي إلى الحي السفلي. جاءتِ القهوة في كوب ورقي، مرّة وساخنة على النحو الصحيح. صاحب الكشك كان منشغلاً بمكالمة هاتفية دامت طوال وجودي، وأومأ لكل زبون بنفس الإيماءة الغامضة. أومأتُ له أنا أيضاً حين دفعتُ، فأومأ مجدداً دون أن يوقف حديثه.
وصلتُ إلى المحطة الجنوبية بعد ساعتين وأربعين دقيقة — ساعة منها بسبب الالتفافة غير المقصودة في البداية. جلستُ على حافة خرسانية وكتبتُ في دفتري الصغير: «خط أحد عشر: ثمانية كيلومترات إذا كنتَ تعرف ما تفعل».
#مشي_في_المدينة #يوميات_عمر #حافلة #حي_قديم