ركبتُ الحافلة رقم اثني عشر من المحطة الرئيسية جنوباً، بنية الوصول إلى نهايتها حيث يُفترض أن تكون ساحة صغيرة قرب النهر. قلتُ لنفسي: ساعة ونصف، قدمان جيدتان، لا موعد يستحق القلق. نزلتُ في المحطة قبل الأخيرة بالخطأ، ظناً مني أن ذلك المبنى الرمادي الذي يُشبه نهاية الدنيا هو نهاية الخط. لم يكن. مشيتُ عشر دقائق حتى أدركتُ أن الشارع يتصاعد، لا ينتهي.
في الحي القديم قرب قنطرة المياه المهجورة، وجدتُ شارعاً تتغير فيه بلاطة الرصيف منتصفَه فجأة — من حجر بيضاوي أُهترئ إلى بلاط أسمنتي حديث بلا مناسبة واضحة. وقفتُ أحدّق فيه ربع دقيقة على الأقل. الرجل الذي يبيع الخضار أمامه نظر إليّ نظرة فيها سؤال فارغ من الفضول.
توقفتُ عند كشك في منعطف ضيق — كرسيان وطاولة بحجم المنديل وراديو صغير يُذيع أغنية لا أعرف متى سُجّلت. طلبتُ قهوة مرّة. جاءت في فنجان خزفي ثقيل، رائحتها تسبقها بخطوة. شربتها واقفاً لأن الكرسيين كانا محجوزين من صاحب الكشك نفسه ومن قطة بيضاء لا تُبدي أي نية للتحرك.