مشيت اليوم في حي المدينة القديمة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة مثل خيوط السجادة القديمة. كانت الشمس تميل نحو الغروب، ورائحة الخبز الطازج تتسلل من فرن صغير في الزاوية. توقفت أمام الباب الخشبي المتشقق، أتأمل النقوش التي حفرتها السنوات والأيدي. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما تجعل المدينة حية، ليست مجرد مباني وطرق.
جلست على مقعد حجري بالقرب من نافورة قديمة، وبدأت أراقب الناس. امرأة عجوز تحمل سلة خضار، طفل يجري خلف قطة رمادية، رجل يقرأ جريدة بتمعن. كل واحد منهم لديه قصة، رحلة خاصة به. فكرت: كم من هذه القصص ستضيع دون أن تُروى؟ هذا ما يدفعني للمشي والكتابة، لأحفظ ولو جزءاً صغيراً من هذه اللحظات العابرة.
حاولت اليوم أن أسلك طريقاً جديداً، بدلاً من المسار المعتاد. أخطأت في أول منعطف، ووجدت نفسي في زقاق ضيق ينتهي بسلالم حجرية. صعدت السلالم بفضول، ووجدت في الأعلى ساحة صغيرة مخفية، بها شجرة زيتون عتيقة وبضعة مقاعد خشبية. شعرت بالفرح، كأنني اكتشفت كنزاً سرياً. أحياناً، الضياع يقودنا إلى أماكن أجمل من وجهتنا المقصودة.
سمعت محادثة قصيرة بين رجلين يجلسان على المقعد المجاور. قال أحدهما: "المدينة تتغير بسرعة، لن نعرفها بعد سنوات." رد الآخر بهدوء: "لكن الذكريات تبقى، هي ما نحمله معنا." لم أتدخل، لكن الكلمات علقت في ذهني. ربما هذا ما أفعله بالمشي والكتابة: أحمل المدينة معي، في كل خطوة، في كل كلمة.
عدت إلى البيت قبل أن يحل الظلام، وقدماي متعبتان لكن رأسي مليء بالصور والأفكار. المدينة تعلمني كل يوم شيئاً جديداً: الصبر، الانتباه، القبول. أحياناً أتساءل: هل نحن من نمشي في المدينة، أم أن المدينة هي التي تمشي فينا؟ ربما الجواب لا يهم، المهم أن نستمر في الحركة، في البحث، في الاكتشاف.
فكرت أيضاً في الفرق بين المشي في مدينة مألوفة والسفر إلى مكان جديد. في المألوف، تجد التفاصيل الصغيرة التي تفوتك في عجلة السفر. في الجديد، تجد الدهشة والإثارة. لكن في كليهما، الجوهر واحد: الفضول. أريد دائماً أن أحتفظ بهذا الفضول، أن أرى المدينة بعيون طفل، حتى لو مررت بنفس الشارع ألف مرة.
غداً، سأحاول أن أمشي في وقت مختلف، ربما في الصباح الباكر عندما تكون الشوارع هادئة والضوء ناعماً. أتساءل: ماذا سأرى هذه المرة؟ ما هي القصة التي ستكشف نفسها لي؟ المدينة كتاب مفتوح، وكل مشية صفحة جديدة.
#تجوال_مدني #سفر #مدينة_قديمة #اكتشاف #يوميات