في صباح هادئ كهذا، وأنا أتصفح أوراقًا قديمة عثرت عليها في مكتبة الحي، لفت انتباهي نقش صغير على هامش إحدى المخطوطات. كان خطًا دقيقًا بالعربية، يبدو أنه كُتب على عجل: "انتهيت من النسخ في ليلة باردة، وأصابعي تؤلمني، لكن العلم يستحق". هذه الجملة البسيطة فتحت أمامي بابًا نحو عالم النساخين الذين حفظوا لنا المعرفة عبر القرون.
تخيلت ذلك الناسخ المجهول، ربما كان شابًا في العشرينات من عمره، يجلس في ضوء شمعة خافت في بغداد أو قرطبة أو القاهرة. كان ينسخ كتابًا في الطب أو الفلسفة، حرفًا بحرف، دون آلات طباعة أو نسخ رقمي. كل صفحة كانت عملًا فنيًا وجهدًا جسديًا. وعندما انتهى، لم يكتب اسمه بخط كبير، بل ترك فقط هذه الملاحظة الصغيرة على الهامش، كأنه يهمس لمن سيقرأ الكتاب بعد مئات السنين.
اليوم، بينما كنت أكتب ملاحظاتي على الحاسوب، أخطأت في حفظ ملف مهم وفقدت بعض الفقرات. شعرت بالإحباط للحظة، ثم تذكرت ذلك الناسخ وأصابعه المتعبة. أدركت أن خطأي البسيط في النقر على زر خاطئ لا يقارن بالجهد الذي كان يبذله الناسخون القدماء. كانوا يعيدون كتابة صفحات كاملة إذا أخطأوا، دون تراجع أو حذف سريع. هذا علمني أن أكون أكثر صبرًا مع نفسي، وأن أقدر الأدوات التي أملكها اليوم.
في المساء، وأنا أتأمل المدينة من النافذة، لاحظت كيف أن الضوء الأصفر من مصابيح الشارع يشبه ذلك الضوء الذي كان يستخدمه النساخون. ربما كانوا يرون نفس اللون الدافئ وهم يعملون في الليل. هذا الخيط الرقيق الذي يربطني بهم عبر الزمن جعلني أشعر بأننا جميعًا جزء من سلسلة طويلة من البشر الذين يحاولون فهم العالم وتسجيل أفكارهم، كل بطريقته وأدواته.
قررت أن أحتفظ بنسخة ورقية من ملاحظاتي المهمة، تكريمًا لأولئك النساخين. ليس لأن الرقمي غير موثوق، بل لأن الورق يحمل شيئًا من الحضور والملموسية التي تذكرني بأن المعرفة ليست مجرد بيانات، بل جهد إنساني حقيقي.
#تاريخ #نساخة #معرفة #تأمل #إنسانيات