كنت أقلّب صفحات مخطوطة قديمة في المكتبة هذا الصباح، وشدّني ملمس الورق الخشن تحت أصابعي. كان الحبر قد بهت في بعض المواضع، لكن الخط النسخي ما زال واضحاً، كأن الناسخ كتبه بالأمس. تذكّرت مقولة ابن خلدون: "الإنسان ابن عاداته وعوائده، لا ابن طبيعته ومزاجه"، وتساءلت كم من العادات التي نمارسها اليوم هي فعلاً اختياراتنا.
المخطوطة كانت تتحدث عن نظام الوقف في القرن الثالث عشر، وكيف كان الناس يخصصون جزءاً من أملاكهم لتمويل المدارس والمستشفيات. ليس الأمر مجرد صدقة، بل كانت بنية اجتماعية كاملة تضمن استمرارية المعرفة. لاحظت أن الناسخ أخطأ في كتابة كلمة "المنتفعين" وصححها في الهامش، خطأ صغير يذكّرني بأن حتى أدق الأعمال تحمل أثر اليد البشرية.
في طريقي إلى البيت، مررت بمبنى حديث مُغطى بالزجاج العاكس. رأيت انعكاس السماء على واجهته، وخطر لي أننا نبني اليوم بمواد تعكس كل شيء إلا الذاكرة. المباني القديمة كانت تحتفظ بالقصص في حجارتها، أما هذه الأبراج الزجاجية فتبدو عابرة، كأنها لن تترك أثراً بعد قرن.