قبل أن تُطفئ المصباح الأخير، فتحت الدرج مرة ثانية.
كانت قد أفرغته صباحاً، أو هكذا ظنّت. لكنّ الدرج الصغير في المطبخ — الذي لا يُفتح إلا إذا رفعته قليلاً من اليسار — كان ينتظرها بزهرة مجففة بين طيّ ورقة صفراء.
وقفت فريدة تحمل الزهرة وبدا لها أن الشقة تتنفس بهدوء. رائحة الإسمنت القديم والنعناع والشيء الذي لا اسم له — رائحة سنوات بعينها.
كانت جارتها أم سليمان قد أحضرت لها إياها في أول أسبوع. قالت وهي تمدّها بيدها القصيرة: «خذيها، البيت يحتاج شيئاً حياً.» ثم ضحكت بضحكتها الصغيرة وعادت إلى بابها قبل أن يُغلق المصعد.
في الشتاء التالي، نقلت أم سليمان إلى بيت ابنها في الشمال. تركت على العتبة كيساً من الخبز والجبنة البيضاء، ورحلت قبل أن تستيقظ فريدة.
الآن فريدة هي التي ترحل.
أطارت نظرة على الغرفة الخالية. الجدران تركت آثار الصور — مربعات أفتح من المحيط، كأن الضوء تذكّرها بعد أن ذهبت. على الأرض، دائرة صغيرة حيث وقفت الطاولة سنواتٍ.
فكّرت أن تأخذ الزهرة، ثم لا. وضعتها على حافة النافذة، جهة الشارع. ربما يراها أحد. ربما لا.
خرجت وأغلقت الباب. في المصعد لاحظت أن المفتاح كان بارداً في يدها بشكل غريب، كأنه لا يعرفها بعد الآن.
#قصة_قصيرة_جداً #سرد #رحيل #بيت