1 entry
اليوم الجمعة، وكانت رائحة الهيل تملأ المطبخ منذ الصباح الباكر. استيقظتُ على صوت أمي وهي تطحن البهارات في الهاون القديم، ذلك الصوت الذي يشبه موسيقى الصباح في بيتنا منذ طفولتي. كنتُ نائمةً وأنا أعلم أنها تحضّر المنسف.
وقفتُ أمام الموقد أراقب الشاي وأنا أفكر: لماذا يبدو الطعام أجمل حين يُطهى ببطء؟ اللحم في قِدر الضغط ليس المنسف الحقيقي. المنسف الحقيقي يحتاج وقتاً ومحبة وصبراً طويلاً.
ذهبتُ إلى السوق صباحاً. كان الجوّ خريفياً وباردًا قليلاً، والشمس تتسلل بين الأكشاك بلون ذهبي رقيق. وجدتُ بائع الخضار القديم الذي يعرفني منذ سنوات، فأشار لي نحو رمّانة حمراء متفجرة. أمسكتُها بيديَّ وشعرتُ بثقلها — ثقل الماء والحلاوة. قضّيتُ عشر دقائق أتفاوض على السعر ونحن نضحك معاً.
في المساء، جلسنا حول الصينية الكبيرة. أولاً جاء اللون: الأبيض الكريمي للجميد فوق الأرز البسمتي المُزيَّن بالصنوبر المحمّر. ثم الرائحة — حمضية قليلاً، دافئة، تشبه رائحة البيت القديم. ثم الملمس: اللحم الطري الذي يتفكك بين أصابعك دون جهد. وأخيراً المذاق — مالح ومعقّد ومريح في آنٍ واحد.
أكلنا بأيدينا كعادتنا دائماً. لا أعرف لماذا يُصرّ بعض الناس على الشوكة والسكين في وجبة مثل المنسف. الأصابع تُحسّ بالحرارة، بملمس الأرز، بنعومة اللحم. الأصابع جزء من التجربة.
ضحكتُ حين انسكب قليل من المرق على ثوبي. قالت أمي: "هذا يعني أنك أكلتِ بشهية." أعتقد أنها اخترعت هذه الحكمة الآن، لكنني أحببتُها.
في نهاية الوجبة، بقيتُ وحدي أمام بقايا الصحن. كنتُ أفكر في أن الطعام ليس فقط تغذية. إنه ذاكرة مُرتّبة في طبقات، كل طبقة تعيد بناء شيء ما من الماضي. المنسف ليس وصفة فقط — هو كل جمعة مررتُ بها، كل شتاء، كل صوت هاون، كل رائحة هيل.
سأكتب عن هذا غداً بشكل صحيح. لكن الآن، أريد فقط أن أجلس مع هذا الشعور الدافئ قليلاً.
#منسف #طعام_وذكريات #مطبخ_عربي