وقفتُ هذا الصباح أمام كشك الخضار في السوق، وعيناي تتنقّل بين أكوام الباذنجان اللامع والطماطم الحمراء التي تبدو وكأن الشمس سكنت فيها. كان أبو أحمد، صاحب الكشك، يرتّب حبّات الفلفل الأخضر بعناية فنّان يُعدّ لوحته الأخيرة. سألني بابتسامته المعهودة: "شو رأيك بالملوخية اليوم؟" وأنا، التي تدّعي معرفة كلّ شيء عن الطعام، لم أكن أعرف كيف أختار الملوخية الجيّدة. هكذا هي الحياة، نكتب عن الطعام ولا نزال نتعلّم أساسياته.
اشتريتُ حزمة من الملوخية الطازجة، أوراقها خضراء داكنة تحمل قطرات الماء الصباحية. في البيت، بدأتُ بتقطيعها، وامتلأت المطبخ برائحتها الترابيّة العميقة، تلك الرائحة التي تُذكّرني بمطبخ جدّتي. هل هناك رائحة تنقلنا عبر الزمن أسرع من رائحة الطعام؟
على النار، بدأ الثوم يرقص في زيت الزيتون، يُصدر تلك الأصوات الخافتة التي تُشبه الهمس. أضفتُ الكزبرة المطحونة، وانفجرت في المطبخ سيمفونيّة من الروائح الدافئة. ثمّ جاءت لحظة إضافة الملوخية المفرومة إلى المرق، ذلك التحوّل السحري من الأخضر الزاهي إلى الأخضر الغامق اللزج.
عندما تذوّقتُ الملعقة الأولى، كان الطعم حامضاً قليلاً، ترابياً، ودافئاً، مع لمسة الثوم الحادّة التي تُوقظ الحواس. قوامها الكريمي الناعم كان يلتصق بسقف الفم بطريقة مُرضية وغريبة في آنٍ واحد.
جلستُ لتناول الغداء وحدي، لكنّني لم أكن وحيدة. كانت معي ذكريات كلّ الأمهات والجدّات اللواتي طهَوْن هذا الطبق قبلي، ناقلات معرفتهنّ عبر الأجيال. الطعام ليس مجرّد غذاء، إنّه خيط خفي يربطنا بجذورنا وبمن نحبّ.
#طعام #ثقافة #ملوخية #مطبخ_عربي #ذكريات