استيقظت اليوم على رائحة الخبز المحمص تتسلل من المطبخ، تلك الرائحة التي تذكرني دائماً بصباحات جدتي في بيتها القديم. قررت أن أذهب إلى السوق المحلي بحثاً عن مكونات لطبق كنت أفكر فيه منذ أيام.
السوق كان مزدحماً كعادته يوم الثلاثاء، والأصوات تتداخل في سيمفونية عشوائية: البائع ينادي على الطماطم الطازجة، وامرأة تساوم على سعر الباذنجان، وصوت السكاكين وهي تقطع الأعشاب الخضراء. توقفت عند كشك التوابل، حيث الألوان تنفجر أمام عينيك - الكركم الذهبي، والفلفل الأحمر القاني، والكمون البني الداكن. أخذت قليلاً من الزعتر البري بين أصابعي، فرحته بلطف، وأغمضت عيني لأستنشق عطره الذي يحمل معه ذكريات الجبال والهواء النقي.
اشتريت حزمة من الكزبرة الطازجة، جذورها لا تزال تحمل بقايا التراب، وبعض الليمون الأصفر اللامع. البائع، رجل كبير في السن بابتسامة دافئة، أصر على أن يعطيني حبتين إضافيتين. "للبركة"، قال وهو يضعهما في الكيس.
في البيت، بدأت بتحضير طبق السمك المشوي بالكزبرة والليمون. غسلت السمك بعناية، وتركت الماء البارد يجري عليه. بدأت بفرم الكزبرة، وكل ضربة سكين تطلق موجة جديدة من العطر المنعش الذي ملأ المطبخ. خلطتها مع الثوم المهروس، وزيت الزيتون، وعصير الليمون، ورشة ملح وفلفل أسود.
لماذا أشعر دائماً بأن الطبخ نوع من التأمل؟
دهنت السمك بالتتبيلة، وتركته يستريح قليلاً ليمتص كل تلك النكهات. عندما وضعته على الشواية، بدأ الصوت الرائع - ذلك الفحيح الخفيف الذي يخبرك أن السحر بدأ. الرائحة التي انبعثت كانت سماوية: الليمون الحمضي يمتزج مع الكزبرة الترابية، والثوم المحمص يضيف عمقاً للنكهة.
عندما جلست لتناوله، كانت اللقمة الأولى مثالية. الجلد المقرمش يتكسر بلطف تحت الشوكة، واللحم الأبيض الطري ينفصل بسهولة. كل نكهة واضحة ومتميزة، لكنها تتناغم معاً في انسجام كامل.
بينما أنا أتناول طعامي ببطء، أفكر في كيف أن الطعام يحمل قصصاً: قصة البائع في السوق، وقصة الصياد الذي اصطاد هذا السمك، وقصة الأرض التي أنبتت الكزبرة والليمون.
#الطبخ #الطعام_والثقافة #السمك_المشوي #الأسواق_المحلية #مذكرات_طعام