اليوم في السوق، وقفتُ أمام كومة من الكوسا الصغيرة، تلك الخضراء الفاتحة التي تبدو كأنها لم تُقطف بعد من حديقة جدّتي. اشتريتُ منها ما يكفي لعشاء أسرة كاملة، رغم أنني وحدي — هذا ما يحدث دائماً حين أدخل السوق جائعة.
رائحة الكزبرة الطازجة كانت تملأ المكان، ممزوجة بعطر الليمون الحامض والتوابل المجففة. مشيتُ ببطء بين الأكوام، أتحسّس القرع الأصفر وأشمّ الريحان وأتساءل إن كان بإمكاني طهي كل شيء في وقت واحد. الجواب دائماً لا، لكنني أشتري كما لو كان الجواب نعم. البائع نظر إليّ بعطف حين رأى الكيس يكاد يمتلئ، وقال: "ستكفيكِ هذه أسبوعاً." ضحكتُ واشتريتُ عنباً أيضاً.
في المنزل، بدأتُ بتحضير يخنة الكوسا بالطماطم كما علّمتني والدتي — الزيت أولاً، ثم البصل حتى يصفر ويلين وتفوح منه رائحة تجعل المطبخ دافئاً حتى في الصيف. أضفتُ الثوم وسمعتُ الفرقعة المألوفة، ذلك الصوت الذي يعني بوضوح: "الطعام في طريقه، والصبر مطلوب."
قطّعتُ الكوسا بشكل غير منتظم — أعترف بذلك. لستُ من الطهاة الذين يقيسون كل شيء بدقة. ربما لهذا لن أصبح شيفة في مطعم فاخر يوماً ما، لكنه بالتأكيد لن يؤثر على المذاق. الطماطم المفرومة ذهبتُ إلى القدر مباشرة، مع رشّة من ملح البحر وقليل من الفلفل الأحمر، ثم الغطاء، ثم الانتظار.
ما أحبّه في هذه الأكلة البسيطة أنها تحمل ذاكرة حيّة. كل قضمة تعيدني إلى مطبخ صغير مضاء بنور النهار، إلى يد أمي وهي تتذوّق وتضيف قليلاً من الملح بحدس لا أملكه بعد، وإلى صوت المذياع يبثّ أغنية قديمة لا أعرف كلماتها لكنها تبدو مألوفة.
جلستُ على الشرفة وحدي، والهواء دافئ في هذا المساء الربيعي. أكلتُ ببطء، أشرب المرق بالخبز المحمّص، أستمع إلى أصوات الشارع من بعيد. وحدي، لكنني لم أشعر بالوحدة. الطعام اللذيذ شركة جيدة دائماً.
#طبخ #ذاكرة_الطعام #مطبخ_عربي #يوميات