أستيقظ صباح اليوم على رائحة الخبز الطازج تتسلل من النافذة المفتوحة. جارتنا أم محمد تخبز كعادتها كل يوم أحد، والرائحة تملأ الحي بأكمله. أتذكر كيف كانت جدتي تخبز بنفس الطريقة التقليدية، تعجن العجين بيديها وتتركه يختمر بجانب النافذة المشمسة.
قررت اليوم أن أزور السوق القديم، ذلك المكان الذي يعج بالحياة والألوان والروائح المتداخلة. مشيت بين الأكشاك، أتأمل الطماطم الحمراء الناضجة التي تلمع تحت أشعة الشمس، والنعناع الأخضر الطازج الذي يفوح برائحته العطرة. توقفت عند بائع التوابل، ذلك الرجل العجوز الذي يعرف كل نوع من التوابل باسمه ومصدره وقصته. اشتريت منه الكمون والكزبرة، وأخبرني عن خلطة سرية لبهار الكبسة تعلمها من والده.
في طريق العودة، مررت بمخبز صغير يبيع المعمول. لم أستطع المقاومة. اشتريت قطعة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لأعيدني إلى طفولتي. عندما عضضت القطعة الأولى، انهار المعمول الذهبي بنعومة، وانتشر طعم التمر الحلو في فمي، ممزوجاً بنكهة السمسم المحمص والقرفة الخفيفة. كيف ينجح هؤلاء الخبازون في حفظ الذكريات داخل العجين؟
عدت إلى البيت وقررت أن أطبخ شيئاً بسيطاً لكنه مميز: مجدرة على طريقة أمي. بدأت بتحميص البصل حتى أصبح ذهبياً ومقرمشاً، والرائحة الكراميلية ملأت المطبخ. أضفت العدس والأرز مع التوابل التي اشتريتها اليوم، وتركت القدر يغلي على نار هادئة.
أثناء انتظار نضج الطعام، جلست بجانب النافذة مع كوب من الشاي بالنعناع. تأملت كيف أن الطعام ليس مجرد غذاء للجسد، بل هو جسر يربطنا بالماضي والحاضر. كل وصفة تحمل قصة، وكل نكهة تحمل ذكرى.
عندما رفعت غطاء القدر، تصاعد البخار الساخن حاملاً معه رائحة البهارات والبصل المحمص. تذوقت المجدرة، وابتسمت. ناقصها قليل من عصير الليمون الطازج، تماماً كما كانت أمي تقول دائماً.
الآن وأنا أكتب هذه السطور، أدرك أن أسعد لحظاتي هي تلك التي أقضيها في المطبخ، حيث تتحول المكونات البسيطة إلى سحر حقيقي.
#طعام #ثقافة #مطبخ_عربي #ذكريات #مجدرة