بدأت مشيتي الصباحية في حي الزمالك بخطأ صغير: نسيت أن أشحن سماعاتي. اعتقدت أنها ستكون كارثة، لكنني اكتشفت أن المدينة لها موسيقاها الخاصة عندما تستمع فعلاً. صوت الترام القديم وهو يصرّ على القضبان، باعة الجرائد يصيحون بعناوين لا أحد يقرأها بعد الآن، وضحكات الأطفال في طريقهم للمدرسة تتداخل مع رائحة الخبز الطازج من المخبز في الزاوية.
توقفت عند قهوة صغيرة قرب النيل. الرجل خلف الكاونتر سألني: "الطلب المعتاد؟" رغم أنني لم أزر المكان من قبل. ضحكت وقلت له إنها أول مرة. رد بابتسامة: "كل الناس اللي بتمشي الصبح عندها نفس الوش المتعب. قهوة سادة، صح؟" كان محقاً تماماً.
جلست على الكورنيش أراقب المراكب الخشبية تتمايل كسولة فوق الماء. لاحظت رجلاً عجوزاً يطعم القطط الضالة بقايا فطوره، يتحدث معها كأنها تفهم كل كلمة. شيء ما في هذا المشهد جعلني أفكر: نحن جميعاً نبحث عن من يستمع، حتى لو كانوا قطط.
الطريف في المشي في المدن العربية القديمة أنك لا تعرف أبداً متى ستتحول الشارع الهادئ إلى سوق صاخب. مررت بزقاق ضيق ظننته مختصراً، فوجدت نفسي وسط سوق للتحف والخردة حيث كل شيء معروض للبيع: راديوهات من الخمسينات، أحذية لم يعد أحد يلبسها، وصور عائلية لأناس لا يعرفهم أحد. سألت نفسي: كم من الحيوات انتهت هنا، متحولة إلى قطع أثرية بخمسة جنيهات؟
تعلمت اليوم أن الضياع أحياناً أفضل طريقة للوصول. كل زقاق كان خطأ صغيراً قادني إلى اكتشاف جديد: محل لبيع التوابل برائحة تملأ الشارع كله، جدارية مخفية لفنان غير معروف، رجل يصلح الساعات القديمة بعدسة مكبرة وصبر لا نهائي.
عدت للبيت بعد ساعتين، قدماي تؤلمني لكن رأسي مليء بالأسئلة: كم من هذه الأماكن سيختفي في السنوات القادمة؟ هل يجب أن أوثقها، أم أن الذكريات العابرة هي كل ما نحتاجه؟
ربما غداً سأحمل كاميرتي. أو ربما لا. أحياناً أفضل الحكايات هي تلك التي لا تُروى إلا في الذاكرة.
#تجوال_مدن #القاهرة #مشي_صباحي #اكتشافات_يومية #سفر_حضري