سرت اليوم في شارع لم أزره منذ شهور، وكأنني أكتشفه لأول مرة. الشمس كانت تميل نحو الغروب، وضوءها الذهبي يرسم ظلالاً طويلة على جدران المباني القديمة. لاحظت محلاً صغيراً للقهوة فتح حديثاً في زاوية كنت أمر بها دون انتباه. رائحة الهيل والقهوة الطازجة تتسلل من بابه المفتوح، تستدرجني للدخول.
وقفت أمام الواجهة أتأمل القائمة المكتوبة بخط يدوي جميل. سألني رجل يقف بجانبي: "جربت قهوتهم؟" هززت رأسي نفياً. ابتسم وقال: "إذن أنت محظوظ، تجربتك الأولى دائماً الأجمل." دخلت وطلبت كوباً صغيراً. كان محقاً – القهوة كانت مختلفة، أكثر عمقاً وأقل مرارة من المعتاد.
جلست على مقعد خشبي قرب النافذة، أراقب الناس يمرون. لاحظت شيئاً غريباً: معظم الناس ينظرون إلى هواتفهم أثناء المشي. حاولت عد كم شخص يرفع نظره فعلاً إلى المباني، إلى السماء، إلى التفاصيل الصغيرة التي تحيط بنا. في عشر دقائق، لم أجد إلا ثلاثة أشخاص.
هذا جعلني أفكر في كل المرات التي فعلت فيها الشيء نفسه. كم من تفصيل فاتني؟ كم من محل صغير، أو لوحة جدارية، أو شجرة تفتح أزهارها للتو، مررت بجانبها دون أن ألاحظها؟
قررت أن أجرب شيئاً: في طريق العودة، سأسير ببطء شديد. لن أنظر إلى هاتفي على الإطلاق. سأرفع نظري وأبحث عن شيء واحد لم ألاحظه من قبل. ربما لون باب، أو نافذة بشكل غريب، أو حتى شجرة نمت في مكان غير متوقع.
والنتيجة؟ وجدت لوحة صغيرة على جدار قديم، مكتوب عليها بيت شعر لا أعرف صاحبه. لم أستطع قراءته كاملاً لأن الوقت قد أتلف بعض الحروف، لكن ما قرأته كان كافياً ليجعلني أبتسم. أحياناً، البطء يفتح لنا عوالم كانت موجودة دائماً، لكننا لم نمنحها فرصة للظهور.
هل تستحق المدينة أن نمشي فيها ببطء أكثر؟ ربما الإجابة ليست في السرعة، بل في ماذا نختار أن نرى.
#نزهة_المدينة #مشي #اكتشاف #تأمل #قهوة