وقفتُ عند زاوية الشارع أنتظر أن تتحول الإشارة، وكان الضوء يتسلل بين المباني بطريقة غريبة - ذهبي ودافئ على جانب، رمادي وبارد على الآخر، كأن المدينة نفسها لا تستطيع أن تقرر أي فصل نحن فيه. كانت رائحة الخبز الطازج تأتي من المخبز خلفي، تختلط برائحة عوادم السيارات ورائحة المطر القديم على الأسفلت.
سمعت صوتاً بجانبي، سيدة مسنة تتحدث إلى حفيدتها الصغيرة: "انظري، الطيور تعرف الطريق دائماً، لماذا لا نعرفه نحن؟" ضحكت الطفلة وقالت "لأننا نستخدم الخرائط يا جدتي!" شيء في هذا الحوار البسيط جعلني أفكر في كل المرات التي تهتُ فيها رغم وجود الخريطة في يدي.
قررت اليوم أن أجرب شيئاً مختلفاً: سلكت طريقاً لم أسلكه من قبل، زقاقاً ضيقاً بين مبنيين قديمين. الجدران هناك مغطاة بطبقات من الملصقات القديمة، كل واحدة تحكي قصة حفلة موسيقية مضت أو معرض فني انتهى. أخطأت التقدير وظننت أنه طريق مختصر، لكنه أوصلني إلى ساحة صغيرة لم أكن أعرف بوجودها - فيها نافورة قديمة ومقهى صغير بثلاث طاولات فقط.
جلست هناك لدقائق، أراقب رجلاً يقرأ جريدة ورقية - شيء نادر هذه الأيام - وأتساءل: كم من هذه الأماكن الخفية موجودة في مدينتي ولا أعرف عنها شيئاً؟ المدينة كخريطة مطوية، كلما فتحتها بطريقة مختلفة، ظهر لك شيء جديد.
في طريق العودة، لاحظت أن خطواتي كانت أبطأ من المعتاد. ليس لأنني متعب، بل لأنني كنت أبحث - عن زوايا أخرى، عن أزقة أخرى، عن محادثات عابرة قد تحمل حكمة صغيرة. الخطأ الذي ارتكبته اليوم علمني شيئاً: أحياناً الضياع هو بالضبط ما نحتاجه.
هل يجب أن نخطط كل شيء، أم نترك مساحة للمفاجآت؟ أعتقد أن المدينة تجيب على هذا السؤال كل يوم، نحن فقط بحاجة إلى أن نمشي ونستمع.
غداً، سأجرب طريقاً آخر. ربما أجد مكتبة قديمة، أو حديقة منسية، أو مجرد زاوية بها ضوء جميل.
#نزهة_المدينة #استكشاف #يوميات #سفر #تأملات