قررت اليوم أن أمشي خط الحافلة رقم اثنا عشر من أوله لآخره. الفكرة بدت بسيطة على الورق: أركب من المحطة الشمالية، أنزل عند النهاية الجنوبية، وأمشي عائداً على قدميّ. ما أخبرت نفسي به هو أن المسافة «قصيرة نسبياً»، وهو تعبير يجب أن أتوقف عن استخدامه.
المحطة الأولى كانت في حي يبدو أنه قرر أن يكون في حالة تجديد دائمة منذ سنوات. جدران مكسوة بطبقات من الملصقات، بعضها قديم لدرجة أن الورق تحوّل إلى شيء أقرب للطين. لكن ما أوقفني كان باباً خشبياً كبيراً في زاوية شارع فرعي، عليه لافتة مكتوبة بالخط اليدوي: «المدخل من الخلف». لا توضيح، لا سهم. فقط هذه الجملة كأنها حقيقة كونية لا تحتاج شرحاً.
في منتصف الطريق وقفت أمام كشك صغير يبيع القهوة. طلبت قهوة مضبوطة، وصاحبها ناولها لي دون أن يرفع نظره عن شيء ما خارج إطار رؤيتي. القهوة جاءت ساخنة بما يكفي لتحرق اللسان قليلاً، وهو ما فعلته، لأن إجراءات السلامة تنطبق على غيري على ما يبدو.
المشكلة بدأت عند تقاطع شارعَين يحملان اسماً متشابهاً جداً: شارع الكرنيش الشرقي وشارع الكرنيش القديم. اخترت الثاني لأنه «يبدو الأصح»، وهو معيار انتهى بي بعد خمس عشرة دقيقة أمام منشأة تبدو كمستودع مهجور. عدت أدراجي، وسجّلت في دفتري: «الأصح» ليس تصنيفاً جغرافياً معتمداً.
وصلت إلى نقطة النهاية والساعة بعد الثانية ظهراً. الشارع الأخير كان هادئاً بشكل غريب، كأن الناس قرروا جماعياً أن السبت يستحق صمتاً. جلست على حجر بارز من جدار قديم، فتحت الدفتر، وكتبت جملة واحدة: «الحافلة رقم اثنا عشر تذهب إلى مكان ما. ربما، لستُ واثقاً، يوماً ما سأعرف ماذا».
#مشي_في_المدينة #يوميات_الحافلة #حي_قديم #كشك_قهوة