مشيت اليوم في شارع لم أسلكه من قبل، واحد من تلك الممرات الجانبية التي تتجاهلها عادة لأنك تظن أنها مجرد طريق مختصر لا أكثر. لكن الشمس كانت تميل نحو الغروب، والضوء الذهبي كان يرتد من واجهات المحلات القديمة بطريقة جعلتني أبطئ خطواتي. كان هناك صوت موسيقى خفيفة تتسرب من مقهى صغير، وكانت رائحة القهوة الطازجة تختلط مع عطر الياسمين من شرفة قريبة.
توقفت أمام محل كتب مستعملة، النوع الذي يبدو وكأنه سيغلق في أي لحظة لكنه يظل صامداً لعقود. صاحب المحل، رجل في الستينات، كان يرتب الكتب بعناية غريبة - يضع كل كتاب في مكانه وكأنه يعيد قطعة أثرية إلى متحف. قال لي دون أن أسأل: "الكتب مثل الناس، كل واحد يحتاج لمكانه الصحيح". ابتسمت ومضيت، لكن الجملة ظلت تتردد في ذهني.
حاولت أن أصور زاوية معينة من الشارع ثلاث مرات، وفي كل مرة كان شخص ما يمر في اللحظة الخاطئة، أو كانت سيارة تعترض الإطار. في المرة الرابعة، قررت أن أترك الأمر، ولربما كانت تلك هي اللقطة الأفضل - تلك التي لم ألتقطها. درس صغير في قبول اللحظة كما هي، لا كما أريدها أن تكون.
في نهاية الشارع، كان هناك قط رمادي يجلس على سور منخفض، يراقب العالم بتلك اللامبالاة المحترفة التي يتقنها القطط فقط. جلست على مقعد قريب وراقبته وهو يراقب. تساءلت: من منا يضيع وقته أكثر؟ لكن في الحقيقة، لم يكن أي منا يضيع شيئاً. كنا فقط نمارس فن التواجد في مكان ما دون هدف محدد.
عندما عدت إلى البيت، أدركت أنني نسيت ما خرجت من أجله تماماً - كنت أريد شراء خبز. لكنني عدت بشيء آخر: شعور غريب بالامتنان لتلك الشوارع التي لا نسلكها عادة، ولتلك اللحظات التي لا نخطط لها.
هل سأعود إلى ذلك الشارع غداً؟ أم أن سحره يكمن في كونه اكتشافاً لمرة واحدة؟
#مشي_المدن #سفر #يوميات #اكتشاف #لحظات