وقفت عند زاوية الشارع محاولًا أن أفهم كيف ضللت الطريق مرة أخرى. الخريطة تقول اتجه يمينًا عند المقهى الأزرق، لكن المقهى هنا أخضر فاتح - أو ربما كان أزرقًا قبل عشر سنوات وأنا الوحيد الذي يعتمد على خرائط قديمة. رائحة الخبز الطازج تتسلل من مخبز قريب، تذكرني بأن التيه أحيانًا يقودك إلى اكتشافات أفضل من وجهتك الأصلية.
قررت أن أتبع أنفي بدلًا من الخريطة. الشوارع الجانبية في هذا الحي تشبه متاهة صممها شخص يحب المفاجآت - كل منعطف يكشف عن شيء غير متوقع. لوحة جدارية ضخمة لقطة ترتدي نظارة شمسية، محل لبيع الأقمشة القديمة تتدلى أمامه ستائر بألوان لم أرها منذ زمن، رجل يصلح دراجة هوائية ويصفر لحنًا لا أعرفه لكنه علق في رأسي طوال المسير.
توقفت أمام محل صغير يبيع الشاي والتوابل. صاحب المحل، رجل في الستينات بشارب كثيف، نظر إلي وقال: "تائه؟" ابتسمت وقلت: "أستكشف." ضحك وقال: "هذا ما يقوله كل السياح الضائعين." أعطاني كوب شاي بالنعناع دون أن أطلب، وأشار إلى كرسي خشبي قديم. "اجلس دقيقتين، الطريق لن يهرب."
جلست وأنا أراقب الحياة تمر أمام المحل. امرأة تجر عربة تسوق بعجلة صاخبة، طفلان يتسابقان بألواح التزلج، حمامة تحاول سرقة فتات خبز من قطة لا تبدو مهتمة. هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يجعل المدينة حية - ليست المعالم الكبيرة أو المباني الشهيرة، بل هذه اللحظات العابرة التي لا يلتقطها أحد إلا المتمشون الضالون أمثالي.
شكرت الرجل على الشاي وسألته عن أقرب طريق للعودة. رسم لي خريطة ذهنية بيديه - يمين، يسار، مستقيم عند الشجرة الكبيرة، يسار عند البيت الأحمر. تعلمت أن الاتجاهات الأفضل تأتي من البشر لا من التطبيقات، لأنها تأتي مع قصص صغيرة وتحذيرات من حفر في الطريق.
في طريق العودة، فكرت في كل المرات التي ضللت فيها الطريق وانتهى بي الأمر في أماكن لم أكن أعرف أنني بحاجة لزيارتها. ربما الخطأ ليس في التيه، بل في الإصرار على الوصول بسرعة. المدينة مليئة بالزوايا الخفية التي تنتظر من يتوقف عن النظر إلى الخريطة ويرفع رأسه قليلًا.
غدًا، سأضيع عمدًا في حي آخر. لكن هذه المرة، سأحضر دفتر ملاحظات لأسجل أسماء الشوارع التي لا توجد على أي خريطة - تلك التي يعرفها السكان فقط، وينطقونها بحنين وألفة لا يفهمها إلا من مشى فيها حافي القدمين ذات صيف قديم.
#تجوال_المدينة #اكتشاف #ضياع_ممتع #شوارع #سفر_يومي