استيقظت هذا الصباح على صوت المطر الخفيف يطرق النافذة، وبينما كنت أحتسي القهوة، لاحظت كتاباً قديماً على الرف - مجلد عن الخط العربي في العصر العباسي. فتحته بحذر، وانزلقت ورقة صغيرة من بين صفحاته. كانت ملاحظة كتبتها منذ سنوات عن الوراق البغدادي ابن النديم، لكنني أخطأت في تاريخ وفاته. ابتسمت لنفسي؛ حتى المؤرخين يحتاجون لمراجعة ملاحظاتهم.
ابن النديم عاش في القرن العاشر الميلادي، في بغداد التي كانت تعج بالمكتبات ودور الحكمة. كان يملك حانوتاً للكتب في سوق الوراقين، وهناك أنجز عمله الأشهر: "الفهرست". هذا الكتاب لم يكن مجرد قائمة بالكتب المتوفرة، بل كان نافذة على عقل حضارة بأكملها - ما قرأته، ما ناقشته، ما اختلفت عليه.
اليوم، وأنا أتصفح الإنترنت بحثاً عن مصدر لبحثي الجديد، أدركت كم نحن مشابهون لابن النديم. نحن أيضاً نصنف المعلومات، نبحث عن الصحيح من المزيف، نحاول أن نفهم الفيض الهائل من المعرفة. الفرق أننا نواجه محيطاً رقمياً لا نهاية له، بينما كان يواجه رفوفاً من المخطوطات النادرة. لكن السؤال واحد: كيف نحفظ ما يستحق الحفظ؟
تذكرت جملة قرأتها له ذات مرة: "هذا فهرست كتب جميع الأمم من العرب والعجم". كانت لديه رؤية عالمية نادرة في زمنه - لم يقتصر على تسجيل الكتب العربية فقط، بل شمل الفارسية واليونانية والهندية. هذا الانفتاح على المعرفة من كل مصدر هو ما جعل العصر العباسي عصراً ذهبياً حقاً.
في فترة العصر، وأنا أرتب أوراقي، قررت أن أبدأ مشروعاً صغيراً خاصاً: سأصنع "فهرستاً" شخصياً لكل ما أقرأه هذا العام، مع ملاحظات مختصرة. ربما لن يكون بأهمية عمل ابن النديم، لكنه سيكون طريقتي في التواصل مع تلك الرغبة القديمة في الحفظ والفهم والنقل.
المطر لا يزال يهطل، والليل يقترب. أشعر بامتنان هادئ لهؤلاء الوراقين الذين حفظوا لنا كنوز الماضي.
#تاريخ #إنسانيات #معرفة #وراقة #تأمل