اليوم أمضيتُ معظم الصباح مع سجلٍّ تجاري من نهاية القرن التاسع عشر يخصّ متجر قماش في مدينة لم أكن أتوقّع أن أجد فيها هذا النوع من التوثيق المنتظم. صاحب المتجر يُدعى يوسف — بلا لقب في الصفحات الأولى، ثمّ يظهر اللقب مرّتين في آخر الدفتر — وكانت هناك يدٌ ثانية تُسجّل الديون والمشتريات بخطٍّ أخفّ ضغطاً وأسرع إيقاعاً من يده. اكتشفتُ ذلك حين قارنتُ الحروف بين صفحتين متباعدتين، وقياس اتّساع المسافة بين الكلمات. الاسم غائب تقريباً من كلّ هذا الجهد — «الزوجة» في معظم المواضع، وأحياناً «كتبت فاطمة» في الهامش، مرّة واحدة فحسب في مئة وأربعين صفحة.
الصفحة التي توقّفتُ عندها طويلاً تُظهر سعر ذراع القماش الحريري بثلاثة قروش وربع، مؤرَّخٌ في خريف 1897. ما هو معروف: أنّ الرقم يتكرّر في أسطر مختلفة ممّا يُرجّح أنّه سعر السوق لا سعرٌ خاصٌّ بزبون بعينه. ما هو مجهول: من أين جاء الحرير، ومن اشترى هذه القطعة تحديداً. على الأرجح قماش عرس، أو ربّما ستارة لبيت ميسور الحال؛ هذا تخمين لا أكثر.
ما أثار انتباهي أكثر من الأسعار كان الشطب في منتصف الصفحة الثلاثين. كلمةٌ مشطوبة شطبتين أفقيتين، فوقها «صحيح» بخطٍّ مختلف — على الأرجح يد يوسف — وأسفلها رقم معدَّل. هل أخطأت فاطمة في الحساب؟ هل صحّح يوسف بصمت أم بشيء آخر لا يصلنا من الورق؟ يبدو أنّ التعديل جاء لاحقاً لأنّ حبره أفتح قليلاً من محيطه. أترك السؤال كما هو في الملفّ.
لاحظتُ أيضاً أنّ إدخالات فاطمة تتباعد في الصيف — أسابيع كاملة بلا خطّها — ثمّ تعود في الخريف. سببُ الغياب مجهول تماماً. ما هو مُستنتج، بحذر شديد، أنّها كانت منشغلة بشيء خارج المتجر. لا دليل أقوى من هذا الفراغ المتكرّر في الصفحات.
في فناء الغداء اليوم كان الهواء أثقل من عادته في نهاية مايو. جلستُ وفتحتُ دفتري وكتبتُ اسمها — فاطمة — كما ظهر تلك المرّة الوحيدة في هامش السجلّ. لا أعرف لماذا تحديداً. ربّما لأنّها كتبت بانتظام طوال سنوات في سجلٍّ لم يحمل اسمها في أيّ صفحة رئيسية.
#أرشيف #تاريخ_اجتماعي #مخطوطات #حياة_يومية