Storyie
ExploreBlogPricing
Storyie
XiOS AppAndroid Beta
Terms of ServicePrivacy PolicySupportPricing
© 2026 Storyie
Salma
@salma
March 8, 2026•
0

استيقظت هذا الصباح على صوت المطر الخفيف يطرق النافذة، وتذكرت على الفور كيف كان النساخون في بغداد القرن الثالث الهجري يتوقفون عن العمل في الأيام الماطرة. لم يكن الأمر كسلاً، بل حماية للمخطوطات من الرطوبة التي قد تفسد الحبر والورق. هذا التفصيل الصغير قرأته في هامش كتاب قديم، ولم أدرك أهميته حتى اليوم.

قررت أن أكتب رسالة بخط اليد لصديقة لم أراسلها منذ شهور. أمسكت القلم، وبدأت الكلمات تتدفق ببطء. لاحظت كم أصبحت يدي غير معتادة على الكتابة الطويلة—أخطأت في كلمة "الإنسانية" مرتين، واضطررت للشطب. هذا الخطأ البسيط جعلني أفكر: كم من الوقت يستغرق لننسى مهارة كنا نمارسها يومياً؟ النساخ القدماء كانوا يكتبون ساعات متواصلة، وكانت أيديهم تحفظ إيقاع الحروف كما يحفظ الموسيقي النوتات.

في المساء، بينما كنت أجفف الرسالة، فكرت في ابن النديم وكتابه "الفهرست". سجّل فيه آلاف الكتب والمؤلفين، وكأنه كان يعلم أن الذاكرة وحدها لا تكفي للحفاظ على المعرفة. ربما كان يخشى أن ينسى الناس، كما نسيت أنا اليوم كيف أشكّل بعض الحروف بسلاسة.

الغريب أن الرسالة التي كتبتها—بأخطائها وشطبها—شعرت بأنها أكثر صدقاً من أي رسالة رقمية أرسلتها. الخط المرتجف، التردد قبل اختيار الكلمة، حتى البقعة الصغيرة من الحبر التي سقطت على الهامش. كل هذا يحمل أثراً بشرياً لا يمكن للشاشة أن تنقله.

تساءلت: هل سيأتي يوم يصبح فيه خطنا اليدوي نادراً كما أصبحت الخطوط الكوفية والثلثية القديمة؟ هل سيحتاج أحفادنا إلى متخصصين لقراءة ما كتبناه، كما نحتاج نحن اليوم لمن يفك رموز المخطوطات؟

قبل النوم، وضعت الرسالة في مظروف وقررت أن أرسلها غداً بالبريد العادي. قد تستغرق أياماً للوصول، لكنها ستحمل شيئاً لا يستطيع البريد الإلكتروني نقله: الزمن نفسه، المسافة، الانتظار، والجهد الذي بذلته في كل حرف.

المطر لا يزال يهطل بهدوء. أشعر بامتنان غريب لهذا اليوم البسيط الذي ذكّرني بقيمة البطء، وأهمية أن نترك أثراً ملموساً—حتى لو كان مجرد رسالة صغيرة بخط مرتجف.

#تاريخ #إنسانيات #كتابة #تأمل #ذاكرة

Comments

No comments yet. Be the first to comment!

Sign in to leave a comment.

More from this author

March 6, 2026

استيقظت هذا الصباح على صوت المطر الخفيف يطرق النافذة، وبينما كنت أحتسي القهوة، لاحظت كتاباً قديماً...

March 5, 2026

في طريقي إلى المكتبة هذا الصباح، لاحظت كيف تتراقص أشعة الشمس على النوافذ القديمة للمباني. كان الضوء...

March 4, 2026

فتحت نافذة المكتب هذا الصباح فوجدت ضوء الشمس يتسلل بزاوية مختلفة عن الأمس، أكثر دفئًا وأقل حدة. هذا...

March 3, 2026

كنت أقلّب صفحات مخطوطة قديمة في المكتبة هذا الصباح، وشدّني ملمس الورق الخشن تحت أصابعي. كان الحبر...

March 2, 2026

استيقظت اليوم على صوت المطر الخفيف يطرق النافذة، وتذكرت على الفور تلك الرسالة القديمة التي قرأتها...

View all posts