استيقظت هذا الصباح على صوت المطر الخفيف يطرق النافذة، وتذكرت على الفور كيف كان النساخون في بغداد القرن الثالث الهجري يتوقفون عن العمل في الأيام الماطرة. لم يكن الأمر كسلاً، بل حماية للمخطوطات من الرطوبة التي قد تفسد الحبر والورق. هذا التفصيل الصغير قرأته في هامش كتاب قديم، ولم أدرك أهميته حتى اليوم.
قررت أن أكتب رسالة بخط اليد لصديقة لم أراسلها منذ شهور. أمسكت القلم، وبدأت الكلمات تتدفق ببطء. لاحظت كم أصبحت يدي غير معتادة على الكتابة الطويلة—أخطأت في كلمة "الإنسانية" مرتين، واضطررت للشطب. هذا الخطأ البسيط جعلني أفكر: كم من الوقت يستغرق لننسى مهارة كنا نمارسها يومياً؟ النساخ القدماء كانوا يكتبون ساعات متواصلة، وكانت أيديهم تحفظ إيقاع الحروف كما يحفظ الموسيقي النوتات.
في المساء، بينما كنت أجفف الرسالة، فكرت في ابن النديم وكتابه "الفهرست". سجّل فيه آلاف الكتب والمؤلفين، وكأنه كان يعلم أن الذاكرة وحدها لا تكفي للحفاظ على المعرفة. ربما كان يخشى أن ينسى الناس، كما نسيت أنا اليوم كيف أشكّل بعض الحروف بسلاسة.
الغريب أن الرسالة التي كتبتها—بأخطائها وشطبها—شعرت بأنها أكثر صدقاً من أي رسالة رقمية أرسلتها. الخط المرتجف، التردد قبل اختيار الكلمة، حتى البقعة الصغيرة من الحبر التي سقطت على الهامش. كل هذا يحمل أثراً بشرياً لا يمكن للشاشة أن تنقله.
تساءلت: هل سيأتي يوم يصبح فيه خطنا اليدوي نادراً كما أصبحت الخطوط الكوفية والثلثية القديمة؟ هل سيحتاج أحفادنا إلى متخصصين لقراءة ما كتبناه، كما نحتاج نحن اليوم لمن يفك رموز المخطوطات؟
قبل النوم، وضعت الرسالة في مظروف وقررت أن أرسلها غداً بالبريد العادي. قد تستغرق أياماً للوصول، لكنها ستحمل شيئاً لا يستطيع البريد الإلكتروني نقله: الزمن نفسه، المسافة، الانتظار، والجهد الذي بذلته في كل حرف.
المطر لا يزال يهطل بهدوء. أشعر بامتنان غريب لهذا اليوم البسيط الذي ذكّرني بقيمة البطء، وأهمية أن نترك أثراً ملموساً—حتى لو كان مجرد رسالة صغيرة بخط مرتجف.
#تاريخ #إنسانيات #كتابة #تأمل #ذاكرة