4 entries
وجدت المظروف تحت الباب حين فتحت في الساعة السادسة صباحاً.
لم يكن اسمها على المظروف. كان اسم امرأة أخرى، حرف الكاف واضح في البداية، ثم حروف تتضاءل كأن اليد تعبت من الكتابة في منتصف الاسم. أمسكته وقلّبته في يدها. لا عنوان مُرسِل، لا طابع بريد. أحد وضعه بيده قبل الفجر.
عادت إلى الداخل وأشعلت الموقد. الماء في الغلاية لا يزال دافئاً قليلاً من الليلة الفائتة. سكبت القهوة ببطء وجلست عند الطاولة الصغيرة التي لم تحزمها بعد، الوحيدة التي بقيت وسط الأكياس والصناديق. المطبخ شبه فارغ؛ الأرفف عارية إلا من علبة ملح نسيتها على الرف الأعلى.
المظروف أمامها على الطاولة.
خُيّل إليها أن تفتحه. ثم خُيّل إليها ألا تفتحه. رسالة لغيرها هي رسالة مغلقة على كل حال، حتى لو قرأتها.
بدا الحي هادئاً من وراء الزجاج. رائحة خبز من مكان ما، ومن مكان آخر رائحة الحجارة المبللة بعد ليلة كانت باردة أكثر مما توقعت. سيارة مرّت ببطء ثم اختفت. الجارة من الطابق الثاني لم تستيقظ بعد؛ كانت تعرفها من صوت خطواتها فقط، خطوات ثقيلة جهة المطبخ ثم خفيفة نحو الباب. قريباً لن تعرف أحداً في الحي الجديد من أي صوت.
تذكّرت أنها لم تقل وداعاً لأحد في هذا البناء. مرّت ثلاث سنوات وهي تصعد وتنزل في المصعد وحدها. مرة واحدة صعد معها رجل عجوز يحمل كيساً من الخضار، وقال «الحر اشتد هذا العام»، وقالت «نعم»، وانفتح الباب وخرج.
تناولت المظروف ووضعته في حقيبتها الصغيرة ببطء، كأنها تضع شيئاً هشاً. لم تقرر شيئاً؛ فقط وضعته. ربما تجد صاحبته، ربما لا. لكن الحقيبة ستسافر معها، والمظروف فيها، وبداخله كلام لم تسمعه، لامرأة لا تعرفها، في بيت لن تعود إليه.
أطفأت الموقد. فكّرت أن تأخذ علبة الملح ثم تركتها.
أغلقت الباب دون أن تلتفت.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #صباح #رحيل
وجدتها أمام الباب في الصباح الباكر، قبل أن يؤذّن المؤذّن بوقت قصير. رسالة في ظرف أبيض، حافّتها مبلّلة قليلاً، كأنّ الندى لمسها في الطريق. على الظرف اسم لم تعرفه: «سلمى حداد».
نظرت أمّ وليد إلى الاسم مرّتين. لم يكن في البناية أحد بهذا الاسم، لا الآن ولا فيما تذكر. نظرت إلى السقف كأنّها تستشير الجدران، ثمّ وضعت الرسالة على الطاولة الصغيرة في المدخل، بجانب مزهرية البلاستيك التي أهداها إياها ابنها قبل سنوات.
طوال اليوم بقيت الرسالة هناك. في كلّ مرّة مرّت بها، بدا لها أنّها تنبض شيئاً ما، كأنّ داخلها كلاماً ثقيلاً يبحث عن أذن. غسلت الصحون وجلست أمام التلفاز ولم تشاهد شيئاً.
في المساء، حين أضاءت مصباح المطبخ وجلست تشرب شايها، أمسكت الرسالة وقلّبتها. لم يكن فيها عنوان مُرسِل. الختم من مدينة ساحلية، لا يُقرأ التاريخ بوضوح. الورق بدا قديماً، أقدم من البريد نفسه.
فكّرت أن تذهب بها إلى مكتب البريد. فكّرت أن تطرق أبواب الجيران. لكنّها في النهاية وضعتها في درج الطاولة، الدرج الذي يحتضن أشياء لا مكان لها: أزرار قديمة، ووصفة دواء منتهية، وصورة لا تذكر من فيها.
في الصباح التالي، وهي تغسل الفناجين ويملأ البخار المطبخ برائحة البابونج، خُيّل إليها أنّ «سلمى» ربّما كانت تنتظر هذه الرسالة منذ وقت طويل. وأنّها الآن في مكان لا تصله الرسائل. وخُيّل إليها أيضاً أنّ الرسالة ربّما وجدت ما تريد: درجاً هادئاً، ودفئاً خفيفاً، وامرأة لا تُلقي شيئاً في القمامة دون أن تفكّر.
تركت الفنجان على الرفّ وأغلقت الدرج بهدوء.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #سرد #رسالة
كانت تضع الكتب في الصندوق الأخير حين وجدت المفتاح.
كان في زاوية الدرج الأسفل، مدفوناً تحت إيصالات قديمة وشريط لاصق جفّ. لم تكن تعرف لأيّ باب ينتمي. كان صغيراً، من نحاس بات لونه بين الأصفر والبني، كأنّه قضى سنوات في جيب معطف منسيّ. وضعته على الرف الخالي، ثمّ عادت إلى الصناديق.
كانت الشقة فارغة إلا من الضوء الرامد الذي يتسلّل من النافذة الشرقية في هذه الساعة من الصباح، ومن صوت ثلاجة الجيران القديمة تنبض في الجدار كنبضة قلب كسولة. تسع سنوات وهي تسمع ذلك النبض، ولم تعرف يوماً أصحابه. ستفتقده، أدركت الآن، دون أن تكون قد أحبّته يوماً.
لمحت فنجان القهوة تركه شاكر على الأرض بالأمس، حين أتى ليساعدها في نقل الصناديق. كان قد أمسكه وهو يحكي لها عن البيت الجديد — "ستحبّينه، فيه نافذة على الحديقة وجيران هادئون" — ثمّ تركه حين رنّ هاتفه وغادر مسرعاً. بقي الفنجان هناك طوال الليل، صغيراً وشاهداً.
رفعته وغسلته في المطبخ الخالي. كان الماء بارداً. بدا لها أنّ الحنفية لم تعطِ ماءً دافئاً منذ سنوات طويلة، لكنّها أدركت الآن أنّها هي من لم تطلبه قطّ.
حين عادت إلى الغرفة، أمسكت المفتاح مرة أخرى. كان ثقيلاً بما لا يناسب حجمه. خيّل إليها — لثانية وحيدة — أنّها تعرفه من مكان ما. ربّما هو مفتاح صندوق خشبي صغير كان لجدتها، اختفى مع أشياء كثيرة في فوضى التوزيع بعد رحيلها. ربّما لا. لا شيء يؤكّد ولا شيء يُبطل.
أسقطته في حقيبة يدها ببطء، لا تعرف لماذا. ربّما لأنّ بعض الأشياء لا تُترك وراءنا. ربّما لأنّها كانت متعبة جداً لتفكّر.
نزلت الدرج وأغلقت الباب بلا ضجّة. في الشارع كانت رائحة الخبز الطازج تخرج من مكان ما لا يُرى، والسماء في ذلك اللون الرمادي الوردي الذي لا يدوم إلا دقائق. ساءلت نفسها: هل سيكون للفجر في البيت الجديد نفس هذه الرائحة؟
لم تجب. شدّت حقيبتها وسارت.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #سرد #فجر
كانت أمينة تطوي الملاءات في الحادية عشرة مساءً حين وجدت المفتاح في الدرج الأسفل من الخزانة. مفتاح صغير، أصفر اللون، مربوط بخيط من الصوف الأزرق كما تربط الأمهات أشياء الأطفال خشية الضياع. أمسكته بين إصبعيها لحظة، ثم وضعته على الأرض بجوار صندوق الكتب، وواصلت الطي.
كانت الشقة فارغة تقريباً. بقيت الستائر لأن الرياح لم تحملها، وبقيت بقعة دائرية خفيفة على الجدار حيث كانت المرآة، وبقيت رائحة ما - شيء بين البن القديم والصابون والهواء المحبوس - لا اسم له لكن لا يمكن نسيانه. في شقق أخرى ستكون روائح أخرى، وسيكون وقت حتى تصبح تلك الروائح روائحها هي.
أصوات الجيران تعبر الجدار: صوت إعلان يرتفع ثم يخفت، ضحكة طفل تنقطع فجأة، صوت إبريق يُوضع على البوتاغاز. الحياة تمضي كالعادة في غرف مجاورة لا تعلم بأن غرفة أخرى تنهار بهدوء.
في منتصف الليل توقفت عن الترتيب. جلست على حافة النافذة وأشعلت سيجارة - كانت قد توقفت عن التدخين منذ ثلاث سنوات، لكن الليلة الأخيرة في الشقة الأخيرة تستحق استثناء. نظرت إلى الشارع الهادئ: شاحنة توقفت لتفرّغ بضاعتها، رجل يمشي يحمل كيساً من الخبز ورائحة الخبز تصل قبله، قطة بيضاء تجلس تحت مصباح الشارع كأنها تنتظر شيئاً يأتي ببطء.
تذكرت المفتاح.
رفعته وأمسكته بين أصابعها. كان ثقيلاً أكثر مما يستحق حجمه. خيط الصوف الأزرق كان قديماً متعباً، بعض خيوطه تفككت وتركت طرفاً معلقاً بلا نهاية. فكّرت: من أي باب كان هذا يفتح؟ ومن وضعه في الدرج ونسيه؟ ربما صاحبته غادرت بسرعة كما ستغادر هي. ربما تركته عمداً لأنه لم يعد يفتح شيئاً تريده.
لم تجد جواباً.
قبل أن تنام، وضعته على الرف الصغير فوق الباب - المكان الوحيد الذي تتركه فارغاً دائماً في كل شقة تسكنها، دون أن تعرف لماذا. غداً سيجده من يأتي بعدها، ويضعه في جيبه ربما، أو يرمي به مع ما تبقى. لكنه الليلة هنا، في مكانه، كأن البيت لم ينتهِ بعد.
أطفأت النور. في الظلام خُيّل إليها أن صوتاً خفيفاً يأتي من تحت الباب - الريح ربما، أو شيء آخر تتنفسه الشقق الفارغة حين لا يبقى فيها أحد يسمع.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #سرد #ليل