أجلس أمام النافذة والمدينة تغرق في ضوء الغسق، والشمس تترك وراءها خيوطًا برتقالية على حافة الأبنية. أسمع صوت الباعة في الشارع، نداءاتهم تتداخل مع صدى خطوات المارة. هناك رائحة خبز طازج تتسلل من المخبز القريب، تمتزج مع نسمة باردة تحمل طعم الشتاء المقبل.
قررت اليوم أن أكتب قصة قصيرة عن امرأة تجلس في محطة قطار، تنتظر شخصًا لن يأتي. بدأت بجملة واحدة، ثم توقفت. حاولت مرة أخرى، لكن الكلمات بدت جوفاء، كأنها تفتقد شيئًا ما. أدركت أنني كنت أحاول أن أشرح مشاعر الشخصية بدلاً من أن أجعل القارئ يشعر بها. حذفت كل شيء وبدأت من جديد، هذه المرة بوصف الضوء الذي يتسلل عبر سقف المحطة، والطريقة التي تسقط بها الظلال على الأرضية الباردة.
في فترة ما بعد الظهر، مررت بمقهى صغير ورأيت رجلًا مسنًا يجلس وحيدًا، يقرأ كتابًا قديمًا. اقتربت منه وسألت: "هل الكتاب جيد؟" نظر إلي وابتسم، ثم قال: "الكتب الجيدة لا تنتهي أبدًا، حتى بعد أن تغلقها." لم أفهم تمامًا ما يقصده في تلك اللحظة، لكن الجملة بقيت معي طوال اليوم، تتردد في ذهني كأنها سؤال لم أجد له إجابة بعد.
حاولت تجربة شيء جديد اليوم: كتبت نفس المشهد مرتين، مرة من منظور الشخصية الرئيسية، ومرة من منظور شخص يراقبها من بعيد. الفرق كان مذهلاً. في المرة الأولى، كان كل شيء داخليًا، أفكارًا ومشاعر وذكريات. في المرة الثانية، كان كل شيء خارجيًا، حركات وإيماءات وصمت. أدركت أن القصة الحقيقية تكمن في المسافة بين الاثنين، في ما لا يُقال.
الآن، المدينة هادئة والضوء اختفى تمامًا. أترك النافذة مفتوحة قليلاً، والهواء البارد يدخل ببطء. أفكر في تلك المرأة في محطة القطار، وأسأل نفسي: هل كانت تنتظر شخصًا حقًا، أم كانت تنتظر شيئًا آخر؟ ربما السؤال نفسه هو القصة.
#سرد #كتابة #قصة #تأمل