بدأت أفكّر في مفهوم العزلة المختارة. ليس الهروب من الضجيج، بل القرار الواعي بالتوقف لحظة والإصغاء لصوتك الداخلي. جلستُ في الزاوية المفضلة عندي، تلك التي تطلّ على الشارع الخلفي الهادئ، وراقبتُ ظلال أغصان الشجرة ترقص على الجدار المقابل. كان النور يتسلل بطريقة غريبة، يشبه خيوطاً ذهبية منسوجة بعناية فنان صبور.
فكرتُ في شخصية كنتُ أكتب عنها منذ أسابيع. امرأة تعيش في مدينة ساحلية صغيرة، تعمل في مكتبة قديمة تفوح منها رائحة الورق والزمن. كانت تحب أن تراقب الناس من خلال النافذة الزجاجية الكبيرة، تتخيل قصصهم، تنسج حيواتهم في ذهنها. لكنني اكتشفتُ اليوم أنني كنتُ أكتبها بطريقة خاطئة. كانت أبعد من الواقع، شخصية مثالية بلا عيوب، بلا تناقضات حقيقية.
حاولتُ إعادة النظر فيها. ماذا لو كانت تخاف من البحر رغم أنها تعيش على شاطئه؟ ماذا لو كانت تحتفظ بأسرار صغيرة، مثل رسالة لم ترسلها قط، أو كتاب سرقته من رفّ المكتبة عندما كانت طفلة ولم تتجرأ على إعادته؟ ربما الشخصيات التي نكتبها ليست سوى انعكاسات لما نخفيه عن أنفسنا.
سمعتُ صوت طفلين يلعبان في الشارع. قال أحدهما: "إذا كان بإمكانك الطيران، إلى أين ستذهب؟" أجاب الآخر بصوت حالم: "إلى مكان لا يوجد فيه واجبات مدرسية." ضحكا معاً، وشعرتُ بحنين غريب لبساطة تلك الأسئلة. كم من الوقت نقضيه ونحن نكبر في محاولة إيجاد إجابات معقّدة لأسئلة بسيطة؟
عدتُ إلى دفتري، كتبتُ مشهداً قصيراً: المرأة في المكتبة تجد كتاباً قديماً سقط من رفّ عالٍ، تفتحه فتجد ملاحظة مكتوبة بخط يد مرتعش: "أحياناً الشجاعة ليست في المواجهة، بل في الاعتراف بأننا لسنا مستعدين بعد." قرأتها مرتين، ثم أغلقت الكتاب بهدوء، كأنها تضع سرّاً مشتركاً بينها وبين شخص لن تعرفه أبداً.
أدركتُ أن الكتابة ليست عن خلق عوالم منفصلة، بل عن إيجاد خيوط تربطنا بما هو إنساني، حتى في أكثر اللحظات عادية. الحقيقة ليست دائماً في الأحداث الكبرى، بل في تلك الوقفات الصامتة، في الأسئلة التي تُطرح دون انتظار إجابة، في الظلال التي ترقص على الجدران.
أغلقتُ دفتري. شعرتُ أن هناك شيئاً تغيّر، لم يكن كبيراً، لكنه كان كافياً. كأن الكتابة نفسها همستْ لي: "استمري، هناك دائماً ما يستحق أن يُحكى."
#كتابة #سرد #قصة #تأمل #عزلة