قررتُ أن أنزل إلى الحيّ قبل الغروب. لم أكن أبحث عن شيء بعينه، لكنّ الضوء كان خافتاً بذاك الشكل الذي يجعل الأشياء تبدو أقرب مما هي عليه. رائحة القهوة تتسرّب من مقهى الزاوية، ممزوجة بدخان خفيف يصعد من شواية على الرصيف المقابل. توقّفتُ عند واجهة زجاجية، لا لأتأمّل ما بداخلها، بل لأرى انعكاس وجهي وقد اختلط بظلال المارّة خلفي.
سمعتُ صوت طفلة تسأل أمّها: "ليش السما بتصير برتقانية هيك؟" لم تُجِبها الأم بشيء واضح، فقط ابتسامة وهمهمة غير مكتملة. شعرتُ بأنّني كنتُ تلك الطفلة ذات يوم، أطرح أسئلة لا أحد يملك لها إجابات حاسمة. وربّما هذا ما يدفعني للكتابة: محاولة صياغة إجابات لأسئلة لم تُطرح بصوت عالٍ.
حين عدتُ إلى البيت، جلستُ أمام دفتري وكتبتُ جملة واحدة، ثمّ مسحتُها. كرّرتُ الفعل ثلاث مرّات. أدركتُ أنّني كنتُ أحاول أن أقول شيئاً "صحيحاً"، بينما ما أحتاجه حقّاً هو أن أقول شيئاً حقيقيّاً، حتّى لو كان أقلّ أناقة. فكتبتُ عن تلك اللحظة أمام الواجهة الزجاجية، عن انعكاسي الذي لم يكن واضحاً تماماً، وعن كيف أنّ عدم الوضوح هذا كان أقرب لما أشعر به من أيّ صورة حادّة ومحدّدة.
الكتابة ليست دائماً عن العثور على الكلمات المثالية. أحياناً، هي عن الاعتراف بأنّ الكلمات لن تكون كافية أبداً، ومع ذلك نحاول. هذا ما تعلّمتُه اليوم: أنّ الخطأ ليس في المحاولة الفاشلة، بل في التوقّف عن المحاولة خوفاً من الفشل.
الليل يحلّ الآن، والمدينة تتحوّل إلى مجموعة من الأضواء المتفرّقة. أفكّر في تلك الطفلة، وفي سؤالها الذي بقي معلّقاً في الهواء. ربّما الإجابة ليست في تفسير اللون، بل في الإحساس الذي يتركه فينا حين نراه. ربّما هذا كلّ ما نحتاجه: أن نشعر، أن نلاحظ، أن نترك الأشياء تمرّ عبرنا دون أن نمسك بها بقوّة.
#قصة #تأمل #كتابة #يوميات #سرد