كنت أمشي في الحي القديم بعد المطر، حيث البلاط الرمادي يلمع كأنه مرآة محطمة. توقفت أمام دكان صغير، صاحبه رجل عجوز يرتب أكوام الكتب المستعملة. سألني بصوت خافت: "تبحثين عن شيء؟" أجبته: "لا أعرف بعد." ابتسم وأشار إلى كتاب أزرق باهت: "هذا يختارك، لا أنت من تختاره."
فتحت الكتاب، فوجدت على الصفحة الأولى عبارة مكتوبة بخط يد: "الكلمات التي لم نقلها تصبح أثقل من الحجارة." قرأتها مرتين، وشعرت بشيء يتحرك في صدري، كأن أحدًا كان ينتظرني أن أجد هذه الجملة. اشتريت الكتاب بثمن زهيد، وغادرت الدكان وأنا أحمله كأنه سر صغير.
في المساء، جلست قرب النافذة وبدأت القراءة. كانت القصص قصيرة، مكتوبة بأسلوب بسيط لكنه يحفر عميقاً. إحداها تحكي عن امرأة تكتب رسائل لأشخاص لن تلتقيهم أبداً، لكنها لا ترسلها. تحتفظ بها في صندوق خشبي تحت سريرها. أدركت أنني فعلت شيئاً مشابهاً من قبل، حين كتبت كلمات كثيرة ولم أنطقها قط.
حاولت أن أكتب شيئاً بعد القراءة، لكن الكلمات لم تأت. بدلاً من ذلك، كتبت سؤالاً واحداً في دفتري: "ما الذي يحدث للكلمات التي نبقيها في الداخل؟" لم أجب عليه. تركته معلقاً، كأنه باب نصف مفتوح.
خرجت إلى الشرفة ووقفت هناك أستمع إلى صوت الليل. كان الهواء بارداً ورطباً، وكانت رائحة الأرض المبتلة لا تزال عالقة. فكرت في الرجل العجوز، وفي الكتاب الأزرق، وفي تلك الجملة التي كأنها كُتبت لي. ربما بعض الأشياء لا تحتاج إلى تفسير، تحتاج فقط إلى أن تُشعر.
أغلقت النافذة وعدت إلى الداخل. وضعت الكتاب على الطاولة، بجانب كوب الشاي البارد. غداً، سأكتب شيئاً. أو ربما سأترك الصمت يكتب بدلاً عني.
#قصة #كتابة #سرد #تأمل #ليل