جلستُ اليوم أمام الصفحة البيضاء لساعات. كانت الشمس تتسلل عبر الستارة القديمة، تاركةً خطوطاً رفيعة من الضوء على المكتب الخشبي. لاحظتُ كيف تتحرك هذه الخطوط ببطء، كأنها أصابع غير مرئية تكتب على السطح قصة لا أستطيع قراءتها.
أردتُ أن أكتب عن الفقد، عن تلك المساحة الفارغة التي يتركها شخصٌ ما حين يرحل. لكن الكلمات ظلت عالقة في مكانٍ ما بين القلب والورق. كتبتُ جملة، ثم مسحتها. كتبتُ أخرى، وشعرتُ أنها مصطنعة، كأنني أحاول أن أبدو حزينة بدلاً من أن أكون كذلك حقاً.
توقفتُ وأغلقتُ الدفتر. خرجتُ إلى الشرفة وسمعتُ صوت الباعة المتجولين في الشارع، وضحكات الأطفال العائدين من المدرسة، ورنين جرس دراجة هوائية. الحياة تواصل إيقاعها، غير مبالية بعجزي عن التقاط لحظة واحدة منها وحبسها في كلمات.
عدتُ إلى المكتب وفكرتُ: ربما المشكلة أنني أحاول أن أكتب عن الفقد، بدلاً من أن أكتب من داخله. هناك فرق دقيق بين أن تصف الألم وأن تدعه يتنفس في النص من تلقاء نفسه. قررتُ أن أكتب مشهداً بسيطاً: امرأة تفتح خزانة الملابس وتجد قميصاً قديماً. لا تفسير، لا تأملات طويلة. فقط اللحظة نفسها، والرائحة الباقية في القماش، والطريقة التي ترتجف بها يدها حين تلمسه.
كتبتُ المشهد في عشر دقائق. لم يكن مثالياً، لكنه كان صادقاً. وأدركتُ أن الكتابة ليست دائماً عن امتلاك الإجابات أو الكلمات المثالية. أحياناً، هي فقط عن الوقوف بجانب الصمت وترك الأشياء تكشف عن نفسها في الوقت المناسب.
الآن، والليل يبدأ في الهبوط، أنظر إلى الصفحة المكتوبة وأشعر بشيء يشبه السلام. غداً سأعيد قراءتها، وربما أمسح نصفها. لكن الليلة، هي كافية. هي بداية.
#كتابة #سرد #تأمل #قصة