جلست عند النافذة هذا المساء، والضوء يتسلل خافتاً بين ستائر القماش الأبيض. كانت الشمس تميل نحو الأفق، تاركة خطوطاً ذهبية على الجدار المقابل. في تلك اللحظة، شعرت بثقل الصفحة الفارغة أمامي—ليس فراغاً مخيفاً، بل دعوة صامتة.
كنت أحاول منذ أيام أن أكتب عن امرأة تعيش في مدينة ساحلية، لكن صوتها كان يفلت مني. كلما كتبت جملة، بدت مصطنعة، وكأنني أضع كلمات في فم لا أعرفه. توقفت، وأعدت قراءة ما كتبت. ثم محوت كل شيء. ليس لأنه سيئ، بل لأنني كنت أحاول أن أجبرها على أن تكون شخصاً آخر—شخصاً أعرفه أنا، لا هي.
خرجت إلى الشرفة. الهواء كان بارداً قليلاً، ورائحة الأرض بعد مطر خفيف كانت لا تزال عالقة. سمعت صوت جارتي تتحدث بهدوء مع ابنتها: "أحياناً الأشياء لا تأتي عندما نريدها، بل عندما نكون مستعدين لها." لم تكن تتحدث إليّ، لكن الكلمات وصلتني كأنها همسة مباشرة.
عدت إلى المكتب. هذه المرة، لم أحاول أن أكتب عن المرأة الساحلية. بدلاً من ذلك، كتبت عن لحظة—لحظة واحدة فقط—عندما تقف على رصيف الميناء في الفجر، والضباب يغطي كل شيء، وهي تحاول أن تتذكر لماذا جاءت إلى هنا. لم أشرح. لم أقل من هي أو ماذا تريد. فقط وصفت الضباب، والرائحة المالحة، وصوت الماء يضرب الخشب القديم.
وفجأة، كانت هناك. ليس كما تخيلتها، بل كما هي. صوتها جاء من مكان لم أكن أبحث فيه—من الصمت بين الكلمات، من المسافة بين ما تقوله وما تشعر به.
أدركت أن الكتابة ليست عن ملء الفراغ، بل عن السماح له بأن يتنفس. عن الاستماع بدلاً من الفرض. عن الانتظار حتى تأتي الشخصيات بأصواتها، لا بصوتي أنا.
أغلقت الدفتر والليل قد حل. لكن شيئاً ما تغير. ليس في القصة فقط، بل في الطريقة التي أقترب بها من الصفحة الفارغة. ربما هذا هو الدرس الحقيقي: أن نتعلم متى نتراجع، ومتى نستمع.
#كتابة #قصة #شخصيات #إبداع #تأمل