وقفتُ أمام النافذة هذا الصباح، والضوء يتسلل عبر الستائر كخيوط فضية رفيعة. كان الصمت كثيفًا، من النوع الذي يجعلك تسمع دقات قلبك. فكرت في الجملة التي كتبتها بالأمس ثم حذفتها—كانت جميلة، لكنها كاذبة. هذا ما تعلمته: الجمال وحده لا يكفي إن لم يحمل شيئًا حقيقيًا.
في المقهى الصغير قرب البيت، سمعت امرأة تقول لصديقتها: "لا أعرف كيف أبدأ من جديد." لم أرَ وجهها، لكن نبرة صوتها كانت مألوفة—ذلك التردد بين الأمل والخوف. شربت قهوتي ببطء، وتساءلت: كم مرة قلنا هذا لأنفسنا؟ كم مرة وقفنا على حافة شيء جديد ولم نقفز؟
حاولت اليوم أن أكتب قصة بطريقة مختلفة. عادةً أبدأ بالشخصيات، لكن هذه المرة بدأت بالمكان—غرفة صغيرة بنافذة مواجهة للبحر. تركت المكان يخبرني من يعيش فيه. كان الأمر غريبًا في البداية، كأن أستمع لصوت لم أعتد عليه. لكن تدريجيًا، ظهرت امرأة عجوز تجلس على كرسي خشبي وتطل على الأمواج. لم أقرر هذا—هي جاءت من تلقاء نفسها.
أدركت شيئًا بسيطًا: أحيانًا، حين نترك المساحة للصمت، تأتي الأشياء التي نحتاجها حقًا. ليس بالضرورة ما نريده، بل ما نحتاجه. هناك فرق دقيق بينهما، لكنه فرق يغير كل شيء.
في المساء، جلست على الأريكة وقرأت بضعة أسطر من ديوان قديم. وجدت هذا البيت: "وما الحياة إلا حكاية تُروى، فاجعلها تستحق الرواية." ابتسمت. ثم أغلقت الكتاب ونظرت من النافذة مرة أخرى. الضوء كان قد تحول إلى لون برتقالي ناعم، والعالم كان يستعد للنوم.
فكرت: ربما الكتابة ليست عن ملء الصفحة بالكلمات، بل عن ترك المساحة الكافية للصدى. عن معرفة متى نتحدث ومتى نصمت. عن البحث عن الحقيقة حتى لو كانت أقل جمالًا مما نتخيل.
وقبل أن أنام، كتبت جملة واحدة في دفتري: "هي لم تقفز، لكنها لم تبتعد عن الحافة أيضًا." لا أعرف بعد إن كانت ستبقى، لكنها تشعرني بشيء صحيح.
#كتابة #قصة #تأمل #إبداع #سرد