وجدتِ المظروف تحت الباب حين خرجت تحضر الحليب في الصباح الباكر.
كانت الساعة السادسة وربع، والضوء الرمادي الباهت يتسرب من النافذة الضيقة في نهاية الدرج، يسقط على البلاط البارد في خطوط متقطعة. أمسكته بيدين لم تغسلهما بعد، وقلّبته ببطء: لا اسم على الوجه الأمامي، لا عنوان مُرسِل، غير رقم الشقة مكتوباً بخط متردد يشبه خط طفل كبر فجأة.
عادت إلى الداخل ووضعته على طاولة المطبخ، بجانب الفنجان الفارغ الذي تركته ليلة البارحة ونسيت.
الشقة كانت لامرأة اسمها نجوى، هكذا قال صاحب البناية حين سلّمها المفتاح قبل ثلاثة أشهر. «سافرت»، قال، وحاول أن يضيف شيئاً عن أختها في مدينة أخرى، ثم توقف كمن تذكّر أن بعض الجمل لا تحتاج إكمالاً. هي لم تسأل.
فتحت الغاز تحت إبريق الشاي ثم جلست أمام المظروف، يداها على الطاولة.
كان مغلقاً. مربعاً. يُخيَّل إليها أن ثمة شيئاً صلباً في الداخل، ليس ورقة وحسب — شيء أثقل قليلاً، يمتص الضوء بطريقة مختلفة. لم تمده.
حين صفر الإبريق، رفعته عن النار وصبّت الشاي ببطء كأنها تفكر في شيء آخر. نظرت إلى المظروف مرة ثانية. ثم تركته وجلست على المقعد ذاته حيث جلست كل صباح منذ أن جاءت، وشربت شايها وهي تنظر من النافذة إلى الشجرة الواحدة في الزقاق — التين التي لا أحد يعرف لمن تعود.
ظل المظروف طوال اليوم على الطاولة. في المساء، حين جلست تأكل وحدها أمام التلفاز الذي لا تسمع ما يقوله حقاً، لاحظت أن الضوء يسقط عليه بزاوية تجعله يبدو كجزء من الأثاث، كأنه كان هناك دائماً، كأن الطاولة لم تكن كاملة بدونه.
قبل النوم، رفعته وحملته إلى المكتب الصغير في الغرفة، وأدخلته في الدرج الأول. أغلقت الدرج ببطء. ثم فتحته مرة أخرى ونظرت إليه، وأغلقته ثانية.
في السرير، قبل أن تطفئ المصباح، خطر لها اسم «نجوى» فجأة وكأنه اسمها هي، لا اسم من كانت هنا قبلها.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #سرد #ذاكرة