كانت تلفّ الأكواب بالجرائد القديمة حين وجدت المفتاح في أسفل الدرج.
مفتاح صغير، نحاسي، بطرف مستدير كالقمر. لم تتذكر له باباً.
وضعته على حافة النافذة جانب الصبّار الذابل، وواصلت العمل. الشقة باتت صناديق وصمتاً؛ الجدران تبدو أبيض مما ينبغي حين تنزل الصور عنها، تكشف مستطيلات فاتحة كأثر ظل طويل.
في المساء، قرابة التاسعة، جاءت الجارة أم سميح بصحن الكبة. وضعته على الكرسي الوحيد الباقي وقالت فقط: «تأكلين شيء قبل السفر.» لم تدخل أكثر من ذلك.
أكلت واقفة عند النافذة. شارع المحطة هادئ الآن، يمرّ رجل ومعه كلب بطيء الخطى، وتضيء بقّالة الحاج نعيم نوراً أصفر واحداً في نهاية الشارع. رائحة الياسمين تصل من الفناء، خفيفة، كأنها تودّع بدورها.
خُيّل إليها أن المفتاح ينتمي إلى الشقة الأولى، تلك التي تركتها قبل سنوات في حيّ آخر من المدينة. الباب الأزرق الذي كان ينفتح بصعوبة وأنت تدفعينه بكتفك الأيسر. بدا لها أنها حملت هذا المفتاح طوال ذلك الوقت دون أن تعلم بوجوده.
أخذت المفتاح وأدخلته في حقيبتها الصغيرة، إلى جانب جواز السفر وورقة العنوان الجديد. لا تعرف لماذا تحديداً. ربما لأن بعض الأبواب لا تُترك، حتى حين تُغلق وتُهجر.
في الصباح الباكر، حين وصل السائق ونادى من الشارع، لم تلتفت خلفها. لكنها لمست المفتاح مرة واحدة في جيب معطفها — بارداً، ثقيلاً بالقدر الذي يكفي — ثم صعدت إلى السيارة.
#قصة_قصيرة #قصة_قصيرة_جداً #سرد #رحيل