وقفتُ أمام النافذة والفجر يتسلل بأصابع باردة عبر الزجاج. كان الضوء رماديًا، متردّدًا، كأنه لم يقرر بعد إن كان سيبقى أم يعود أدراجه. في الشارع أسفل مني، امرأة تجرّ حقيبة تصدر صريرًا حادًا على الرصيف. توقفت، نظرت إلى ساعتها، ثم مضت. شيء في ذلك التوقف جعلني أفكّر في كلّ المرات التي وقفت فيها أنا أيضًا، منتظرة شيئًا لن يأتي.
أمس، كتبتُ مشهدًا في قصتي عن امرأة تحاول أن تتذكّر وجه أمها. قرأته اليوم فوجدته مسطّحًا، خاليًا من الرائحة والملمس. أدركت أنني كنت أكتب عن الذاكرة، لا من داخلها. الفرق ضئيل لكنه يفصل بين جملة تُقرأ وجملة تُعاش.
حاولت مرة أخرى. هذه المرة، أغلقت عينيّ وتخيّلت رائحة الخبز المحروق قليلاً، ذلك الخبز الذي كانت أمي تخرجه من الفرن وهي تضحك على نفسها: "كل مرة أقول سأنتبه، وكل مرة أنسى." صوتها كان أوضح من الكلمات التي كتبتها.
الكتابة خداع صغير: نتظاهر أننا نعرف ما نريد قوله، بينما الحقيقة أننا نكتشفه وسط الجُمَل. أحيانًا أبدأ بفكرة واضحة، وأنتهي في مكان لم أكن أعرف أنه موجود. اليوم، انتهيت عند نافذة هذه المرأة الخيالية، أنظر معها إلى الشارع، وأسمع صرير حقيبة سافرة أخرى.
حين أنهيت المشهد، شعرت بشيء يشبه الحزن الخفيف. ليس لأن القصة حزينة، بل لأنني تركتُ شخصًا هناك، في تلك الغرفة الورقية، ينتظر وحيدًا. ربما هذا ما يعنيه أن تكتب: أن تترك جزءًا منك في كل سطر، وتمضي.
#كتابة #سرد #ذاكرة #قصة