جلستُ عند النافذة وأنا أتابع قطرات المطر وهي ترسم خطوطًا متعرجة على الزجاج. كان الضوء باهتًا، والشارع خارجًا يبدو كلوحة مائية غير مكتملة. في يدي كوب شاي بالنعناع، لا يزال دافئًا بما يكفي ليملأ الغرفة برائحة خضراء منعشة. هذه اللحظات الهادئة هي التي أحتاجها لأكتب، لكن الكلمات اليوم كانت عنيدة.
فتحتُ دفتري القديم، ذلك الذي اشتريته من سوق الكتب المستعملة قبل شهرين. صفحاته صفراء قليلًا، وحوافها مهترئة، لكن هذا ما يمنحه جاذبيته. بدأتُ أكتب عن شخصية ظلت تراودني طوال الأسبوع—امرأة تعيش في بيت قديم بجوار البحر، تجمع الأصداف كل صباح. لكن بعد فقرتين، توقفت. شيء ما كان ناقصًا. لماذا تجمع الأصداف؟ ما الذي تبحث عنه؟
أدركتُ أنني كنتُ أكتب المشهد من الخارج فقط، دون أن أدخل إلى داخلها. ثم تذكرتُ نصيحة قرأتها في كتاب قديم: "الشخصيات الجيدة تريد شيئًا، حتى لو كان صغيرًا." فأعدتُ الكتابة. هذه المرة، جعلتُ المرأة تبحث عن صدفة معينة—تلك التي فقدتها ابنتها قبل سنوات. كل صباح، تمشي على الشاطئ أملًا في أن يعيدها البحر إليها، مع أنها تعرف أن هذا مستحيل.
الآن، الشخصية بدأت تتنفس. الفقد كان هو المفتاح. ليس الفقد الكبير المأساوي، بل ذلك الصغير الذي نحمله معنا كل يوم، الذي نتعلم العيش معه لكننا لا ننساه أبدًا. كتبتُ ثلاث صفحات متواصلة، دون أن أرفع القلم إلا لأشرب رشفة من الشاي الذي بدأ يبرد.
حين انتهيتُ، أعدتُ قراءة ما كتبتُ. لم يكن مثاليًا، لكنه كان صادقًا. وربما هذا كل ما يحتاجه النص ليعلق في ذهن القارئ—ليس الكمال، بل الحقيقة التي نتعرف عليها في أنفسنا.
أغلقتُ الدفتر، ونظرتُ مرة أخرى إلى المطر. كان لا يزال يتساقط، لكن الضوء بدأ يتغير. ربما غدًا، ستجد المرأة ما تبحث عنه. أو ربما لن تجده أبدًا. كلاهما نهاية جيدة، إذا كتبتها بالطريقة الصحيحة.
#كتابة #قصة #أدب #شخصيات #سرد