جلستُ أمام الصفحة البيضاء طويلاً هذا المساء، والقلم بين أصابعي يرتعش قليلاً. كنت أحاول كتابة قصيدة عن الغياب، لكن الكلمات كانت تهرب مني كظلال في الماء. كلما اقتربت منها، تلاشت.
من النافذة المفتوحة، تسلل صوت عصافير تتجادل على غصن الليمون. صوت حاد، متقطع، يشبه ضحكات الأطفال حين يتشاجرون على لعبة. توقفت عن الكتابة وأنصتُ. كان هناك إيقاع في جدالها، نوع من الموسيقى الفوضوية التي لا تخضع لقافية.
فكرتُ: ربما الغياب ليس صمتاً. ربما هو ضجيج صغير، متكرر، يملأ الفراغ الذي تركه شخص ما. صوت باب يُفتح في البيت المجاور. خطوات على الدرج. رنين هاتف لن يُرد عليه.
حاولتُ أن أكتب هذه الفكرة، لكن الجملة الأولى خرجت ركيكة، متكلفة. شطبتها. كتبت ثانية. شطبتها أيضاً. شعرت بالإحباط يتسلل إلي كالبرد. لماذا أصر على تسمية الأشياء؟ لماذا لا أتركها تعيش في الغموض؟
ثم تذكرت شيئاً قالته لي معلمتي في المدرسة الثانوية: "القصيدة لا تُكتب، بل تُستدعى. عليكِ أن تنتظري حتى تأتي إليكِ." لم أفهم قولها حينها. كنت أظن أن الكتابة جهد وإصرار فقط. لكن الآن، وأنا أنظر إلى الصفحة شبه الفارغة، أدركت أنها كانت محقة.
أغلقتُ الدفتر برفق. لن أجبر الكلمات الليلة. سأتركها تأتي حين تكون جاهزة. خرجت إلى الشرفة، واستندتُ إلى الحاجز البارد. السماء كانت قاتمة، بلا نجوم، لكن الهواء كان يحمل رائحة الياسمين من حديقة الجيران.
وقفت هناك، أستمع إلى العصافير التي هدأت أخيراً، وشعرت بشيء يشبه السلام. ربما الكتابة ليست عن ملء الصفحات، بل عن معرفة متى تتركها فارغة.
#كتابة #شعر #إبداع #تأمل