اليوم استيقظت على رائحة الكمون المحمّص تتسلل من المطبخ، وقبل أن أفتح عيني كنت أعرف أن أمي قررت أن تطبخ المرقة. تلك الرائحة — حارة وخشبية ودافئة في آنٍ واحد — تحمل في طياتها كل طفولتي.
وقفت بجانبها وأنا أحمل قهوتي الصباحية، أراقب يديها وهي تقلّب البصل في الزيت. البصل يبدأ شاحباً وصلباً، ثم يتحوّل إلى ذهبي شفاف، ثم يستسلم أخيراً ويصبح طرياً ومُعتِماً. هذه العملية البسيطة تستغرق عشرين دقيقة على الأقل، وأمي لا تتعجّل أبداً. قالت لي يوماً: "البصل الذي لا يصبر عليه الطاهي لا يستحق الأكل". ولا أعلم إن كانت هذه حكمة قديمة أم اخترعتها هي، لكنني أؤمن بها الآن.
أضافت اللحم — قطع الضأن التي اشترتها من السوق صباحاً — وسمعت صوت الاحتراق الخافت، ذلك الصوت الذي يشبه همساً أو تنهيدة صغيرة. اللحم تحمّر من الخارج وبقي وردياً من الداخل، وامتلأ المطبخ بعطر مركّب لا يمكن وصفه بكلمة واحدة. هو الدهن والتوابل والحرارة وشيء آخر لا اسم له.
بعد الغداء ذهبت إلى السوق لأشتري التمر لوصفة كنت أخطط لها منذ أسبوع — كعكة التمر بالهيل والزنجبيل. اخترت التمر بعناية: لا يجب أن يكون جافاً جداً ولا رطباً جداً، بل في تلك النقطة الوسطى التي يصبح فيها شبه حريري بين أصابعك. البائع نظر إليّ وهو يبتسم وقال: "أنتِ تعرفين التمر". وشعرت بفخر غير منطقي تماماً.
الكعكة خرجت من الفرن وهي كثيفة وداكنة، تفوح منها رائحة الهيل. قطعت منها شريحة صغيرة وأكلتها وهي لا تزال دافئة. الهيل يأتي أولاً، حاداً وعطرياً، ثم يأتي حلاوة التمر عميقة وهادئة، والزنجبيل يلسع لسعة خفيفة في النهاية. ثلاثة أصوات في لحظة واحدة.
أحياناً أفكّر أن الطعام هو أكثر الذكريات صدقاً. الصور تتلاشى، والكلمات تُنسى، لكن رائحة المرقة في الصباح تظل حيّة إلى الأبد. #طبخ #ذاكرةالطعام #يوميات